منذ أن تعينت هنا وأنا أراه، جذب إنتباهي و أشعل فضولي بتصرفاته الغريبة و الأغرب أن لا أحد هنا يعلق على تصرفاته و كأنه أمر طبيعي.
مهنتي كنادل في تلك الكافتيريا القديمة التي تقع على البحر مباشرة جعلتني أرى العديد من أنواع الناس المختلفة ولكن كالعم وحيد لم أرى قط.
أنه أقدم زائر هنا، أقدم حتى من العمال، و لكنه بالتأكيد ليس أقدم من مالك الكافتيريا الطاعن في السن و الذي لا يأتي سوى لحظات معدودة على أيام بعيدة.
العم وحيد ذلك العجوز الرفيع محني الظهر نتيجة لعوامل العمر، يأتي يوميا في الصباح الباكر قبل أن يزدحم المكان بالزبائن، يجلس دائما على طاولة ثابتة لا يغيرها تطل على البحر، لا شئ غير طبيعي حتى الأن سوى بعض لمحات الحزن التي تسكن ملامحه، الغريب في الأمر يحدث بعد جلوسه عندما ينظر تجاه المدخل و تختفي ملامح الحزن و ترتسم على وجه إبتسامة سعادة مصاحبة لنظرة تلمئها الراحة، يقوم و يتحرك ليقف خلف الكرسي المقابل له و يحركه كأنه ييسر الجلوس على شخص ما و يعود مكانه مرة آخرى، يشير لأحد العاملين بيديه الذي يبدو بأنه أعتاد على ذلك التصرف و يتحرك بدوره ليقوم بتشغيل أغنية (سيرة الحب) و يقدم له طلبه المعتاد فنجان القهوة السادة و كأس الليمون بالنعناع، و أراه يحرك شفتيه محدثا شخص ما، حاولت مرارا أن أطرق السمع لكني لا أفهم كلماته و لا احصل سوى على كلمة واحدة ( سعاد) الاسم المتكرر على فمه، و عندما تصل كوكب الشرق لذلك الجزء من الأغنية ( طول عمري بقول لا أنا أد الشوق) مرورا ب ( إلا عيونك أنت دول بس اللي خدوني و بحبك أثروني) يميل بجذعه للأمام و يمسك بشئ ما و يقبله و كأنه .. كأنه يقبل يد شخص ما.
يوما أقتربت منه لأرفع فنجانه الفارغ و كأس العصير الذي لم ينقص منه شئ و كنت لم أقم بهذا الفعل معه من قبل و لكن فضولي ساقني لأعرف ردة فعله، و عندما لمست كأس العصير فقط و كدت أن أرفع ألقاني بنظرة حارقة و قال في غضب مبالغ فيه..
– ماذا تفعل ؟ إنها ام تنهيه بعد
نظرت له في تعجب و سألته..
– من هي يا سيدي؟
ذفر في غضب و قال ..
– أترك العصير سعاد لم تنهيه بعد
كدت أن أنطق و أخبره أنه يجلس وحده إلا أن أحد العاملين جذبني بقوة و أخبرني ..
– لا تقترب منه مجددا الوحيد الذي يسمح له بالأقتراب منه هو مالك الكافتيريا
و لم أقترب منه مجددا، عندما ينتهي العم وحيد من جلسته و يبدء المكان بالأزدحام، يقوم في نشاط و كأنه أسترد شبابه مثنيا ذراعه و كأن أحد يتأبطه، و بعد لحظات انظر من النافذة لأجده يسير على شاطئ البحر و على و جه إبتسامة.
يوما جاء مالك الكافتيريا في الوقت الذي فيه عم وحيد منسجما مع الأغنية، أقترب منه و على وجه إبتسامة حانية ليقابله العم وحيد بحرارة و يأخده بين ذراعه مشيرا له للكرسي الفارغ و يقول..
– سعاد كانت تسألني عليك للتو
ليربط على كتفه في حنان و يتركه ليعود لجلسته، لم استطع أن امنع نفسي من اللحاق به و ناديته، ألتفت فبادرته بكلماتي..
– اسف لكني لم أخذ من وقتك الكثير و لكن الفضول يقتلني
– اسأل يا بني
– من هذا الرجل و مع من يتحدث ؟
ضحك و قال..
– و هكذا لن تأخد من وقتي الكثير؟ تعال
و أخذني و جلسنا على طاولة مقابلة للعم وحيد و قال..
– وحيد صديق قديم قبل أن يكون أحد زبائت الكافتيريا، لديه ولدين كل منهم سافر للخارج هم حتى لا يسألو عن أخباره
– و من هي سعاد تلك التي يردد اسمها؟
– زوجته
– و أين هي؟
– ماتت منذ زمن يا ولدي بعد أن سافر ولديهم بفترة قصيرة
تعجبت و قلت..
– متوفية!
– نعم متوفية، كانوا يترددون على هذا المكان في خطبتهم منذ أن أفتتحت تلك الكافتيريا، يأتي هو أولا ثم تلحق به هي و هذا كان طلبهم المعتاد و تلك أغنيتهم المفضلة التي كانوا يطلبون مني أن أشغلها دائما
– و لكن كيف يحدثها و هي ميتة
– أنا أعلم إنها متوفية و أنت الأن تعلم و هو يعلم و لكن قلبه رفض تلك الحقيقة و لم يصدقها و سجن في تلك الذكرى، ذكرى ونسه الوحيد.






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق