مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العصر الملوكي(من البداية إلى النهاية)

Img 20241016 Wa0008

كتبته: الإعلامية سبأ الجاسم الحوري

العصر المملوكي يعدّ أحد الفترات المهمة في التاريخ الإسلامي، وقد استمر من منتصف القرن الثالث عشر وحتى أوائل القرن السادس عشر. حكم المماليك مصر والشام وامتد نفوذهم إلى الحجاز وأجزاء من الجزيرة العربية وشمال إفريقيا. كانت سلطنتهم منقسمة إلى مرحلتين رئيسيتين: الدولة المملوكية البحرية (1250-1382م) والدولة المملوكية البرجية (1382-1517م)، حتى سقوطها على يد العثمانيين.

 

نشأة المماليك

المماليك هم في الأصل عبيدٌ بيض من أصل تركي وقوقازي، تم جلبهم في بداياتهم كجنود مستعبدين ضمن الجيوش الإسلامية. 

 

كانت فكرة استخدام العبيد المقاتلين منتشرة في الدولة العباسية، وتطورت إلى أن أصبح هؤلاء الجنود يعتمدون على أنفسهم ويؤسسون دولة قوية. ظهرت سلطنتهم لأول مرة في مصر عندما أطاحوا بآخر سلاطين الأيوبيين توران شاه عام 1250م، ليتولى المماليك السلطة ويتحولوا من جنود إلى حكام.

 

تقسيم الحكم المملوكي

الدولة المملوكية البحرية (1250-1382م):

هذا القسم الأول من الحكم المملوكي عُرف باسم “البحرية” نسبة إلى جيش المماليك الذين كانوا متمركزين في جزيرة الروضة على النيل ومن أبرز سلاطينهم الظاهر بيبرس والسلطان قلاوون.

 

 شهدت هذه الفترة انتصارات كبيرة على المغول في معركة عين جالوت (1260م)، حيث أوقف المماليك توسع المغول في العالم الإسلامي، إلى جانب دحر الصليبيين من معظم الأراضي التي احتلوها في الشام.

 

الدولة المملوكية البرجية (1382-1517م):

المرحلة الثانية من حكم المماليك بدأت بتولي السلطان برقوق السلطة، واستمرت حتى الغزو العثماني.

 

 كان المماليك البرجيون في الغالب من الشركس. تمكنوا من الحفاظ على قوتهم رغم التحديات الداخلية والخارجية، إلى أن انتهى حكمهم بسقوط آخر سلاطينهم، طومان باي، بعد هزيمتهم أمام العثمانيين في معركة الريدانية عام 1517م.

 

الحياة السياسية والإدارية

نظام الحكم المملوكي كان عسكريًا استبداديًا، حيث كان السلطان يسيطر على السلطة العسكرية والمدنية. 

 

اعتمد السلطان في حكمه على نخبة من المماليك، وعادة ما كان يتم تعيين كبار القادة العسكريين في مناصب إدارية مثل نائب السلطان ووالي الشام. لم يكن الحكم وراثيًا كما في بعض الدول الإسلامية الأخرى، بل كان السلطان يُختار من بين القادة المماليك الأقوياء.

 

 ورغم هذه الطبيعة العسكرية، كان المماليك ناجحين في الحفاظ على الاستقرار والأمن داخل بلادهم.

 

الثقافة والعلم

العصر المملوكي شهد ازدهارًا ثقافيًا وفنيًا، حيث كانوا رعاة للفنون والعمارة الإسلامية. بنى المماليك العديد من المساجد والمدارس والمستشفيات والحمامات العامة التي تميزت بطرازها المعماري الفريد الذي جمع بين الأسلوب الفاطمي والعثماني.

 

من أبرز المعالم التي تعود إلى العصر المملوكي في القاهرة مسجد السلطان حسن وقلعة الجبل. كما أبدع المماليك في صناعة الحرف اليدوية، مثل الزخرفة والخزف والسجاد، ما ساهم في ترسيخ الحضارة الإسلامية.

 

 

الاقتصاد

كان المماليك يعتمدون على التجارة كمصدر رئيسي للدخل، حيث كانت مصر والشام مركزين هامين لتجارة العالم القديم. كانت الموانئ المصرية والشامية محطة عبور للتجارة بين الشرق والغرب، وازدهرت الأسواق والبازارات في مدن مثل القاهرة ودمشق.

 

كما استمر المماليك في الاهتمام بالزراعة، فقد طوروا نظام الري في دلتا النيل، ما ساعد على زيادة إنتاج الحبوب والفواكه والمحاصيل الزراعية الأخرى.

 

الجيش والدفاع

جيش المماليك كان من أقوى الجيوش في العالم الإسلامي في تلك الفترة، واعتمد بشكل أساسي على الفرسان المماليك الذين تدربوا على فنون الحرب منذ صغرهم. 

 

كان لديهم نظام عسكري صارم يعتمد على الولاء للسلطان والانضباط العسكري.

ومن أبرز إنجازاتهم العسكرية انتصارهم في معركة عين جالوت ضد المغول، حيث شكل هذا الانتصار حدثًا فارقًا في التاريخ الإسلامي وأوقف الزحف المغولي نحو الشرق الأوسط. كما تمكنوا من دحر الصليبيين من الشام والقضاء على ممالكهم.

 

الدين والعلاقات الخارجية

الدين الإسلامي كان ركيزة حكم المماليك، حيث دعموا العلماء وشيّدوا المدارس الدينية والمساجد الكبرى. 

 

المماليك كانوا محافظين بشدة على تطبيق الشريعة الإسلامية في حكمهم، ودعموا الحركة الصوفية بشكل خاص.

 

على الصعيد الخارجي، كانت علاقات المماليك مع العالم الإسلامي قوية، حيث ساهموا في حماية المدن المقدسة مثل مكة والمدينة. 

 

ورغم أن علاقاتهم مع القوى الأوروبية والصليبية كانت متوترة في البداية، إلا أنهم في فترات لاحقة تمكنوا من إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع بعض الدول الأوروبية.

 

سقوط الدولة المملوكية

رغم القوة العسكرية والازدهار الثقافي، واجه المماليك عدة تحديات في أواخر عهدهم، منها الفتن الداخلية والتنافس بين القادة، إلى جانب ظهور الدولة العثمانية كقوة جديدة في المنطقة.

 

في عام 1516م، هزم السلطان العثماني سليم الأول المماليك في معركة مرج دابق، ثم في العام التالي سحق قواتهم في معركة الريدانية بالقرب من القاهرة، ليعلن بذلك نهاية الدولة المملوكية وضم مصر والشام إلى الإمبراطورية العثمانية.

 

 

كان العصر المملوكي حقبة مهمة في التاريخ الإسلامي، حيث نجح المماليك في صد الغزوات الخارجية من المغول والصليبيين، وحققوا إنجازات كبيرة في المجالات العسكرية والثقافية. على الرغم من سقوطهم على يد العثمانيين، إلا أن إرثهم الثقافي والمعماري لا يزال واضحًا في العديد من المدن الإسلامية حتى يومنا هذا، خاصة في القاهرة التي ما زالت تُعرف باسم “مدينة الألف مئذنة” بفضل ما تركه المماليك من معالم حضارية متميزة.