مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الطبيب الأخير

Img 20241224 Wa0018(1)

كتبت منال ربيعي

 

بعد وفاة إلياس بين ذراعيها، شعرت إيرين بحزن عميق يخترق قلبها. لم يكن الفقد مجرد خسارة زميل أو حب، بل كان قطعًا في نسيج إنسانيتها. لكن الألم لم يتوقف عند هذا الحد، فقد كانت هناك أمور لم تُحل بعد.

 

في اليوم التالي، وبينما كانت إيرين تغادر المستشفى متعبة جسديًا وعاطفيًا، لاحظت حركة غريبة في الممرات الخلفية للمستشفى. شعرت بشعور غريب يدفعها للتحقق، فتسللت بحذر نحو الجناح المهجور حيث لم يُسمح لأحد بالدخول بعد إغلاق النوبات الليلية.

 

ما وجدته كان صادمًا. جناح العزل كان خاليًا، ولكن على الأرض كانت هناك آثار دماء متفرقة وأدوات طبية ملطخة بالسم. وبينما كانت تتفحص المكان، وجدت سرية صغيرة مخبأة تحت سرير إلياس. فتحتها بيدين مرتجفتين، لتجد بداخلها سجلات طبية وتقارير حول الفيروس والبحث الذي كان يقوم به إلياس.

 

كانت التقارير تكشف عن اكتشافات مهمة حول مصدر الفيروس وكيفية وقف انتشاره، ولكن هناك شيء آخر لفت انتباهها: رسالة مكتوبة بخط يد إلياس. قرأت الرسالة بعيون دامعة:

 

“إلى من يجد هذا، أعلم أنني قد لا أكون هنا لأكمل ما بدأته. إذا كان هناك من يحاول إخفاء الحقيقة أو استمرار الفوضى، عليكِ أن تقفين في وجههم. الحب والواجب يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب، ولا يمكن لأي خوف أن يتغلب على الإنسانية.”

 

أدركت إيرين أن هناك من كان يحاول إخفاء الحقيقة حول الفيروس وربما حتى قتل إلياس لمنع كشف المعلومات. شعرت بالغضب والخذلان، لكنها لم تسمح لنفسها بالغرق في الحزن. بدلاً من ذلك، قررت أن تواصل مهمة إلياس.

 

عادت إيرين إلى المختبرات وبدأت بتحليل التقارير والبيانات التي تركها إلياس. مع مرور الأيام، تمكنت من تحديد مصدر الفيروس وطريقة انتشاره، مما مكنها من تطوير علاج فعال. لم يكن هذا مجرد إنجاز علمي، بل كان تكريمًا لحبها وإخلاصها لإلياس.

 

في حفل تكريم صغير داخل المستشفى، وقفت إيرين أمام الزملاء والجمهور، وكانت عينها تلمع بالدموع ولكنها مليئة بالعزم:

 

“إلياس لم يمت عبثًا. لقد كان مثالًا للتفاني والإنسانية، وعليه علينا أن نواصل ما بدأه، ليس فقط من أجلنا، بل من أجل كل من يعتمد علينا. الحب الذي نحمله لبعضنا البعض يجب أن يكون دافعًا لنا للقيام بما هو صحيح، حتى في أحلك الظروف.”

 

صفقت الحضور بحرارة، وشعرت إيرين بوزن المسؤولية يتبدد، محله شعور بالراحة والهدف. أدركت أن الحب الحقيقي لا يموت، بل يتحول إلى قوة تدفعنا للقيام بواجباتنا بأفضل ما نستطيع.

 

مرت الشهور، وانتهى الوباء بفضل جهود إيرين وفريقها. أصبح اسم إلياس رمزًا للتضحية والبطولة، وأصبحت إيرين تتذكره دائمًا كنبراس ينير دربها في الأوقات الصعبة.

 

في كل عام، في ذكرى وفاة إلياس، كانت تزوره في جناح العزل، تحمل زهورًا وتقول بصوت خافت:

 

“إلياس، لقد نجحنا بفضلك. الحب والواجب كانا معًا، وأنتَ الجزء الأهم في هذه القصة.”

 

وبهذه الطريقة، تحولت الحزن إلى إرث خالد من الأمل والإنسانية، مؤكدين أن الحب الحقيقي يمكن أن يتغلب على أي عقبة، وأن الواجب ليس مجرد واجب، بل هو تعبير عن أعمق مشاعرنا وأفضل ما فينا.