اسم المسلسل
الصوت الذي لم يُرَ
اسم الكاتب
هاني الميهى
الحلقة الأولى (1)
الرجل الذي بدا صالحًا
لم يكن محمود يلفت الانتباه حين يدخل المسجد،
ولا حين يقف إمامًا للناس.
كان حضوره هادئًا، صوته موزونًا، وملامحه لا تحمل ما يستدعي السؤال.
رجلٌ يؤدي ما عليه، لا أكثر.
في فجر ذلك اليوم، اصطفّ المصلّون خلفه،
وسرى الأذان في المكان كعادته،
نقيًّا، مطمئنًا.
كبّر محمود،
وسكنت الأصوات.
قرأ الفاتحة،
ثم تابع آياتٍ حفظها منذ صباه،
لكن شيئًا ما تحرّك داخله،
خفيفًا في البدء،
كإشارةٍ تجاهلها.
الصوت (خافتًا):
أنت متعب أكثر مما تظن.
شدّ محمود على نفسه،
واصل القراءة،
رفع صوته قليلًا، كأنما يستند إليه.
مرّت ثوانٍ ثقيلة.
ثم عاد الصوت،
أقرب.
الصوت:
إلى متى ستتظاهر بأنك بخير؟
اختلّ ميزان الآيات في صدره،
توقّف لحظة،
ثم استأنف.
في الصفوف الخلفية،
تبادل رجلان النظرات.
شيء ما لم يكن في مكانه.
أنهى الصلاة،
استدار،
سلّم.
لكن قدميه لم تحملانه.
اهتزّ جسده،
وسقط.
حين أفاق،
كان محاطًا بوجوهٍ قلقة،
وأصواتٍ متداخلة.
— مالك يا شيخ محمود؟
— حصلك إيه؟
— تعبان؟
نظر إليهم،
كأنه يراهم من خلف زجاجٍ سميك.
محمود (بصوتٍ واهن):
مفيش… بس صداع.
نهض بمساعدة أحدهم،
خرج من المسجد،
والهواء البارد يلسع وجهه دون أن ينعشه.
في البيت،
كانت أمه تجلس قرب النافذة،
تعدّ حبات مسبحتها بطمأنينةٍ اعتادها.
— اتأخرت ليه؟
قالتها بابتسامةٍ خفيفة.
— تعبت شوية.
أجاب وهو يتجنب عينيها.
اقتربت، وضعت يدها على كتفه.
— ربنا يعافيك يا ابني.
تجمّد في مكانه.
اليد كانت حقيقية،
دافئة،
لكن الثقل على كتفيه لم يزُل.
في المساء،
جلس وحده.
الصمت أثقل من الضجيج.
الصوت:
هما مش شايفينك…
ومش هيفهموك.
أغلق عينيه بقوة.
— سيبني في حالي.
قالها بصوتٍ مسموع.
فتح عينيه،
لا أحد.
تنفّس بعمق،
حاول أن يقنع نفسه أن ما يحدث إرهاق،
ضغط عمل،
لا أكثر.
لكنه، للمرة الأولى،
شعر بالخوف.
ليس مما يسمعه،
بل من احتمال
أن يكون الصوت
قد قرّر البقاء.
في تلك الليلة،
لم ينم محمود.
وفي مكانٍ ما داخله،
كان شيءٌ ما
قد بدأ الكلام.
نهاية الحلقة الأولى
#الصوتالذيلم_يُرَ
#هاني_الميهى






المزيد
الانجذاب للحياة بقلم الكاتب مزمل بلال ( جنزبيل )
حين يتغير كل شئ بقلم عمرو سمير شعيب
اخترق الخوف ودعهُ يتأملك بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد