كتبت منال ربيعي
لا أدري كيف وصلتُ إلى هنا. كنتُ أسير في ممرٍّ حجريٍّ طويل، باردٌ كأنفاس الغيب. الجدران الشاهقة تحيط بي، تشبه أطلال ديرٍ قديمٍ منسيٍّ في قلب الزمن. كان المكان مغمورًا بصمتٍ ثقيل، لكنه لم يكن مجرد صمت، بل كأنه همهمة خفيّة، تنبضُ داخل الحجر نفسه.
في نهاية الممر، لاحت أمامي قاعة شاسعة، تتناثر بها شموعٌ شاحبة تذوب على مهل. وعلى الجدار المقابل، رأيتُها. لوحةٌ ذات إطارٍ فضيٍّ متآكل، احتضنت صورة فتاةٍ تشبهني إلى حدٍّ مخيف. لكنها لم تكن أنا. كانت ترتدي ثوبًا أسود طويلًا، بسيطًا، يكسوها بتقشف الراهبات. جاثيةٌ على ركبتيها، متّكئةٌ على صدرها، عيناها مغمضتان بشدة كأنها تُعاقب نفسها على رؤى لا يجب أن تراها.
اقتربتُ، حاولتُ أن أرى ملامحها أو أن أفهم سرَّ هذا الشبه المرعب. لكن قبل أن أتمكن من الفرار من الفكرة، شعرتُ أنني أنزلق إلى الداخل. لم أعد أنا… صرتُ هي!
كان الليلُ يخيّم على الدير. كنتُ في حجرتي، جسدي ينفضُ بردًا لا علاقة له بالشتاء. شفتي تتمتمان بصلاةٍ خافتة، ليست إلا توسّلًا صامتًا. رأيته… وجهه الذي تسلل إلى عالمي حين لم يكن ينبغي له ذلك. كان عابرًا، مجرد ظلٍّ مرَّ في الممرّ حين كنتُ أؤدي خدمتي في الكنيسة. لكن عيناه، كانتا تصرخان بي، تناديانني باسمٍ نسيته منذ دخلتُ هذا الدير.
حاولتُ أن أطرده من قلبي، أن أستغفر، أن أهرب. لكنني كنتُ ضعيفة. الشيطان تسرّب إلى ضعفي وهمس لي: “هذا الحبّ ذنبٌ لن يُغتفر… الطريق إلى الطهارة واحدٌ فقط.”
أغلقتُ عيني، رفعتُ القارورة الصغيرة إلى شفتيّ المرتجفتين. تذوّقتُ مرارة السمّ كما لو أنني أتذوّق آخر آثار الحياة التي لم يُكتب لي أن أعيشها.
لكن قبل أن يغلق الظلامُ عليَّ أبوابه، تجلّى أمامي ضوءٌ نقيّ. من داخل أيقونة العذراء، كان النور يشعّ دافئًا، رقيقًا، كيدٍ حانية تمسح على روحي المعذّبة. همس لي الصوت: “ليس الحبُّ خطيئة… أنتِ مقبولة في الطاهرين.”
استيقظتُ.
لكنني لم أكن في حجرتي. كنتُ هناك… ممددة على الأرض الباردة، جفوني مغلقة، وجسدي ساكن. ليس أنا من تحرّك، بل راهبٌ عجوز، متجهّم الوجه، كان يقلبني بيدٍ خشنة، ممتعضًا من ميتتي غير المقدسة. تمتم بامتعاض، متسائلًا إن كنتُ قد سقطتُ في الخطيئة قبل أن أغادر هذه الحياة.
لكنه لم يرَني. لم يرَ روحي الطاهرة التي كانت تحلق فوقهم، لم يرَ كيف كنتُ أطوف حول أيقونة العذراء، أصلي، أرتل:
“الحبُّ ليس خطيئة… الحبُ فعلُ الطاهرين.”
وهكذا ذابتُ في النور.






المزيد
وقبل نهاية الرحلة بقلم سها مراد
حين تتحدث الأخلاق عن أصحابهابقلم علياء العشري
الرحيل المحتوم بقلم إسراء حسن عبدالله