مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الديجور

كتبت: زينب إبراهيم

 

ها قد جن الليل يا عزيزي، وخلا كل محبوب بحبيبه وأنسدل الدمع على وجنتي؛ لأنني لدي متيم واحدًا، بل هو من ظل معي ولم يخذلني محال أن يبتعد عني أو يهجرني كيف للحبيب أن يهجر؟ 

وإن سألتني يا عزيزي القارئ، أنه كل حبيب يأتي إليه أوان ويتخلى عن محبوبه كيف يظل دائم معكِ؟ 

أجيبك والبسمة على محياي: إن حبيبي الذي أحدثك عنه ليس يحبني فحسب؛ إنما يحب الجميع وينصت إلى شكواهم بلا ملل أو كلل، فهو دائمًا معي ويشعر بكل ما يعتريني من آلامٍ لا أستطع وصفها بحديث أو حتى كلمات؛ لأنني وهنةً ويصعب علي رؤية ذاتي تحتصر ولا أعلم ماذا أفعل؟ 

أناجي حبيبي وأرجو الأمان الذي سلب مني، فإن الشجن هلك طاقتي ونفذت ولم يعد بإستطاعتي التفوه بحرفٍ واحدٌ من كثرة ما حل بي؛ لذلك وجدت نفسي جالسة وألملم كلاً من أحزاني، نوائبي، آلامي، طاقتي التي نفذت، روحي التي هلكت وأضعها بين يديه واستند برأسي إلى الحائط وأفرغُ شحنات الأسى الذي حل بي معه؛ بينما تركت لأعيني تأخذ محل فمي تلك المرة، فأنا لا أقوى على الحديث وهو يفهمني دون التفوه بكلمةٍ أو أقل ما مررت به؛ حتى الآن من حياتي وجل ما بها، فهو يعلم حالي أكثر مني وجدت ذاتي تستلقي بثقلها إلى الحائط وعيني إلى السماء؛ فإنه هو حبيبي الذي يستمع إليَّ، ويعلم ما تضمره ذاتي، وما مر به فؤادي، وفي الليل تدمع عيناي وتسرد ما حدث؛ ولكنني لا أشعر بثقل في ذاتي بعد الآن، نهضت من مجلسي وأنا منتصبة الرأس مع مسيري إلى وجهتي دون أن أفكر في شيء ماذا حدث يا ترى معي؟

ذاتي الضعيفة التي كان يجور عليها كل شيءٍ بكل قسوة استطاعت أن تقل ” كفى ” كلمة مكونة من ثلاثةِ أحرف ليس أكثر؛ ولكن تعني الكثير، فهي الصمود في حين العجز، المحاربة في وقت الانهيار، الفرحة حينما يعم الشجن، الألم الذي أتلذذُ بمذاقه وأنا ارتشف منه القليل؛ فالكثير منا يتذوق الألم بمرارةٍ، بلا أي شعور يجتاح المرء حين ألمه، لكن مهلاً كيف التلذذ بطعم الأنين؟

سؤال صائب، فأنت تستخبر عن أمرٍ قد يظنه البعض جنونًا قد اعتراني جراء الذي واجهته بمفردي؛ إنما أنا أعي ما قلته حرفًا حرفًا، فلا يمد الإنسان يداه إلا للشيء الذي يستطع أن يمسكه وهذا ما عنيته إنني ذات مرة مررت بألم شديد وتأذيتُ مع بقاء اليأس والاكتئاب السرمدي المصاحب إليّ كدتُ انهي حياتي بغمضةِ عين وشروعها؛ لذلك ترويت في إتخاذِ ذاك القرار الذي يصعد روحي إلى بارئها، ولكن وهو غضبان عليّ توقفت برهة وسألت ذاتي: أأنتِ جاهزة؛ لسؤال المولى عزّ وجل ” لما فعلتِ ذلك؟” أيسر سؤال مر بذهني وأنا أقدم على تلك الخطوةِ، فما كان مني سِوى تراجعت إلى الخلفِ والدموع تنهمر من عيني ساخطةٌ إلى ما آلت إليهِ ذاتي التي كانت تحب السعادة وترجو رضاء اللّٰه لا سخطه، فكان هو سبيل عودتي إليه نادمةٌ على ما فعلت بنفسي الضعيفة في يدِ ظالمة لها؛ لأنها لا تقوىٰ على ردعي ما كان مني إلا أن قدماي قادتني إليه، وأنا في غاية أسفي أتظن أنه يغلق بابهُ في وجهي كالبشر؟ 

لا أبدًا وإن عدتُ إليه محمل بثقل الجبال ذنوبًا واستغفرته؛ لغفرها الغفار لك وقبل بك من جديدٍ، فحينها لم أتردد في الذهاب له والتحدث معه عما يثقل عليّ والعناء الذي اعتراني في صمتٍ مني لا أفصح به لأحدٍ لكل أحد منا شأن يلهيهِ عن الآخرين تلك هي الحياة وربي لا يتركني مطلقًا.