مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

إلى رضوى عاشور

Img 20241115 Wa0023

 

كتبت ملاك عاطف

“أمسى البُكاءُ مبتذلًا، ربّما لأنَّ الدموع صارت تستحي من نفسها، لا مجال”

أصبتِ يا رضوى، ربّما هي تستحي؛ لأنّها تظهرُ دائمًا برداءِ ضعفٍ، أو حزنٍ، أو وجع، وكلّهم خصلٌ ملتحمةٌ كضمّةِ ألمٍ، أو حزمةِ همٍّ مكدّسةٍ بجانبِ بعضها، ونحسبُها شيئًا واحدًا؛ فلا فراغاتِ سرورٍ بينها تدعونا إلى الشّك.

وتستَحي من حرارتِها الَّتي تكوي ما تبقّى لوجوهنا من نضارةٍ وصفاء، بل وتسحبُ منها تفتُّحها؛ فلا يبقى لها إلّا الشّحوب!

وتستحي مرّةً ثالثةً؛ لأنَّ ملحها الزّائدَ يلهبُ لينَ القلوب، ويُميتُ إزهارَها ببطءٍ، ثمَّ يدفنهُ في تتربةِ شيخوخةٍ جرداءَ مِن شدّةِ الهرَمِ، بينما يتهاوى أصحابُ هذهِ القلوبِ مِن أعالي الرّغبةِ بالحياةِ وهُم في الأصلِ شبابٌ ما زالوا ينظرونَ إلى مستقبلهم من نوافذِ مطلعِ العشرين!

الدّموعُ تستحي من نفسها يا رضوى؛ بسببِ ما تفضحهُ من خفايانا إذا هيَ سالت، أو بسببِ ما تخلّفُهُ من تشوُّهاتٍ لأطفالِ العقدِ الثّاني، أي للأجنّةِ الّذينَ سيصيرونَ لاحقًا أبناءَ الثّلاثينيّات.

لكن هل خطرَ في بالِكِ يومًا أنَّنا نحنُ من نستحي من دموعنا، لا مجال؟!

نستحي مِنها إذا ترقرقَت؛ تعبًا من التّراكُمات، ونستحي ثانيةً إذا غافلتنا وهجرتِ المدامعِ؛ شاكيةً قهرَ الظّروفِ وقسوةَ الأيّام، ونذوبُ في أثوابِنا ثالثةً إذا تسلّلت دونَ قصدٍ متعرّيةً من قوّتنا وصبرِنا أمام شخصٍ ما.

ربّما تقولين في نفسك: الدّموعُ خلقت لتسيل، ولتكونَ مدادًا لأحاسيسِنا، وغُسلًا لأدرانِنا، وحرّيةً لتنهيداتِنا، وفي أحيانٍ كثيرة، تكونُ مصلًا مخدّرًا، نسكبُهُ؛ لننامَ وننفصِلَ عن واقعنا، وذواتِنا، ومشكلاتنا، باختصار، إنّها مفيدةٌ لنا وإلّا ما الحكمةُ من وجودِ سائلٍ مالحٍ كهذا في الياقوتَتينِ اللّوزيّتيْنِ خاصّتِنا؟

أنا سأُجيبك، في الحروبِ يا رضوى، نخجلُ من التّعبيرِ عمّا يعتملُ في صدورنا، ويتمنّعُ البَوْحُ عن أثقالِنا كلّما حاولت غمسَ نفسها فيه، ويصيبُنا عجزُنا بداءِ الخزي، وترمينا ضمائِرُنا بنظراتِ تأنيبٍ جارحة، وتستصغِرُ عقولُنا ضغوطاتِنا؛ لأنَّ أناسًا محشورونَ كالمخلّلِ في قارورةٍ تُطرقُ بأقسى وأصلبِ المطارِق، وتتكسّرُ كلّها؛ فتغرزُ شظاياها قسرًا في أجسادِ من فيها حتّى تقطّعهم بحدّتِها إلى أشلاء، أو تجرحهم، ولا تقدرُ على إنقاظِ نفسها وإسعافهم!

لأنّهُم متكدّسونَ حدَّ الوحدة، حدَّ الموت، حدَّ تمّنيهم الانسلاخِ عن بعضهم، حدَّ تجرّدهم من إنسانيّتهم، حدَّ انهيارهم واقفينَ؛ فليسَ هُناكَ متّسعٌ للسقوط!

نستحي من دموعِنا أم تستحي هيَ منّا، لا فرقَ يا رضوى والله لا فرق؛ فحرامٌ علينا البكاءُ، وحرامٌ علينا البوحُ، وحرامٌ علينا الحُزْنُ طالما نحنُ نأكلُ، وندفأُ، وننامُ، ونأمنُ، وإخوتُنا يدفعونَ كلّهم ضريبةً؛ لأجلِ أن نحيا على فتاتِ هذا الوطنِ السّليب.