مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أَبَا وَقَّاصٍ.. يَا وَجَعَ دِيسَمْبَرَ المُرّ بقلم بلال حسان الحمداني

أَبَا وَقَّاصٍ.. يَا وَجَعَ دِيسَمْبَرَ المُرّ بقلم بلال حسان الحمداني

أَبَا وَقَّاصٍ طَالَ اللَّيْلُ أَمْ خَانَنِي صَبْرِي
فَخُيِّلَ لِي أَنَّ الكَوَاكِبَ لَا تَسْرِي أَرَى الرَّمْلَةَ البَيْضَاءَ بَعْدَكَ أَقْفَرَتْ فَدَهْرِي لَيْلٌ لَيْسَ يُفْضِي إِلَى فَجْرِي
وَشِبْلٌ رَجَوْنَا أَنْ يَكُونَ غَضَنْفَراً فَمَاتَ وَلَمْ يُجْرَحْ بِنَابٍ وَلَا ظُفْرِ
أخي الشهيد سعد، يا وجع ديسمبر وجل شهور السنة، ترى من أين أبدأ وكل ما فيّ جروح عميقة لا تبلى رغم انصرام كل السنين التي مضت على فراقك؟ إنها الذكرى الثالثة عشرة على ارتقائك شهيداً جميلاً. لم أنتظر لحظة تدق الثانية الأولى من يوم استشهادك لأكتب عنك؛ فمنذ مضيت ما شرقت شمس ولا غربت إلا وذكراك حاضرة تقطع أنفاسي حتى لتكاد أن تخنقني.
لكن لم يكن ديسمبر مجرد شهر أو بداية فصل، لكنه ذبحة قلب مضنى تقطعت نياطه حزناً مذ رحلت، ولأجل ذلك ارتبط بهذا الألم؛ فقد حمل ذكريات عدة؛ زمن الحب والحرب، الفرح والحزن، الضحك والبكاء. وكنت أعلم أني في كل ذكرى فيه ستطرق الباب، أن لي موعداً جديداً لأعود بهذه الذاكرة الملعونة، أستحضر كل لحظة مذ أدمى أذناي دوي انفجار صواريخ الغدر التي قطعت أشلاءك الصغيرة وحملتك إلينا بتلك الصورة التي ما إن أستحضرها في ذاكرتي حتى أكاد أن أجن.
لن أعود إلى سرد لحظاتنا الأخيرة حينما كنا نلعب، أو تلك اللحظات التي نادتني أمي بها لأذهب لإحضار دواء لأختك وأبيت أنت إلا أن تذهب وكأنك كنت تعلم أنك على موعد مع الشهادة، أو تلك اللحظات التي قالوا لي بها: “أخوك ذهب ولم يعد”، وكان الجميع يأمل أن تعود لكني شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي، وصرخت صرخة مدوية دوى لها بيتنا وقلت: “بل مات ولم يعد”. ترى كيف أبيت إلا أن تذهب وتكون فداء لي؟ وكيف تسلل إلى قلبك شعور أنك ذاهب لتكون شهيد عائلتنا؟ ولسان حالي يقول:
بِوَدِّي أَنِّي كُنْتُ قَدَّمْتُ قَبْلَكَا وَأَنَّ المَنَايَا دُونَكَ صَمَدَتْ صَمْدِي وَلَكِنَّ رَبِّي شَاءَ غَيْرَ مَشِيئَتِي وَلِلرَّبِّ إِمْضَاءُ المَشِيئَةِ لَا العَبْدِ
آه لو كان للموت إخوة لعرف معنى فقد الأخ! لم يعلم أحد بحالي بعدك وكيف حالت بي الحال دونك، فقد كنت أكتم في داخلي تلك العقد التي ولدت مع موتك وما برحت تكبر كلما كبرت سنون فقدك، ولم أستطع أن أتعرى بها أمام أحد. لكن ما إن صار هذا الهاتف بين يدي حتى حاولت أن أتعرى بقليل مما أعاني به وأن أرثيك شعراً ونثراً، وابتدأت رحلتي مع الشعر وخاصة في غرض الرثاء، فحفظت كل ما قيل في الرثاء، وفي كل قصيدة كنت أجدك. غير أن أصدق ما كان فيه هو رثاء الأخ، ابتداء من رثاء الزير لأخيه كليب:
كُلَيْبُ لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِنْ أَنْتَ خَلَّيْتَهَا فِيمَنْ يُخَلِّيهَا
ومن رثاء الخنساء لأخيها صخر:
فَلَوْلَا كَثْرَةُ البَاكِينَ عَلَى إِخْوَتِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي
ومن رثاء متمم لأخيه مالك:
لَقَدْ لَامَنِي عِنْدَ القُبُورِ عَلَى البُكَا رَفِيقِي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ أَمِنْ أَجْلِ قَبْرٍ بِالمَلَا أَنْتَ نَائِحٌ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ أَوْ عَلَى كُلِّ هَالِكِ فَقَالَ أَتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيْتَهُ
لِقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللَّوَى فَالدَّكادِكِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ الشَّجَا يَبْعَثُ الشَّجَا فَدَعْنِي فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ
فبكل ما قيل في الرثاء وبكل لغات العالم أبكيك، ولا أجدني أجد أبجدية تعبر عما يختلج صدري من هم وغم وحسرة؛ فقد كنت سبباً في أن أدرس اللغة وأن أغوص في بحرها العميق لعلّي أستطيع أن أبوح ولو بقليل وأن أوفيك بعضاً من حقك عليّ بحروفي، لكن محال! فحتى في أول كتاب ولد لي، والذي حاولت أن أجعل لك فصلاً به أكشف عما حصل، جلست أياماً أستدعي أحزاني ولكن ما إن أمسكت بيراعي حتى قمت بكسره فلم أخط سوى القليل.
ولكن لولاك لما ولد لي كتاب، ولما علمت معنى الحزن والرثاء؛ فاكتفيت بعنوانه الذي أسميته “موتان في ديسمبر”، عن قلب قتلته الحرب وأوجعه الحب. فيا من قتلتني بفقدك، سامحني إن لم أوفيك حقك من الرثاء، فأنت وجع أكبر من اللغة بكل ما فيها من بلاغة وبيان، وأنت الذي لا تحيط بك الكلمات.
أخوك الحزين إلى أن يلقاك: بلال أبو سعد