كتبت ملاك عاطف
مُذْ فتحَتْ طُفولَتي عيْنَيْها وتلقَّفَتْها أيادي الدُّنيا وهِيَ موصولةٌ بأرضِنا الحَبيبة، كأنها صنعت لي حبلًا سريًا من خيوط الانتماء؛ فقد كبُرتُ معَ غُصْنِ الزَّيْتونِ، وكانَ جاري ورَفيقي، وكنتُ أقيسُ بِهِ طولي، وألُفُّهُ بِضَفيرَتي، وأُخفي أصابِعي بيْنَ أوراقِهِ حينَ نلعبُ لِعْبةَ الاخْتِباء.
كُنْتُ أمتَنُّ للزَّيْتونِ مِن قبلِ أن أعْرِفَ مُفْردةَ الامْتِنانِ وأفْهَمَ قُدْسِيّةَ عُمْقِ معْناها، وما زِلتُ أمتّنُ لهُ حينَ يفْهَمُني، أمْتَنُّ لأوْراقِهِ المَرْشوقةِ بذرّاتِ التُّرابِ الطّاهِرِ حينَ تُحَنّي يديَّ بالبُنِّي، وأمْتَنُّ لها حينَ تغرِزُ أطرافَها بخِفّةِ في أصابِعي، فتَنْغُزُها مِشاكِسةً أو دالّةً على دُرَرِ الثِّمارِ الخَضراءِ الصَّغيرةِ المُتَدَلِيةِ بَيْنَها؛ كي أقْطِفَها وأملأُ بِها وِعائي الَّذي يتأبَّطُ ذِراعي بلهفة.
أمتَنُّ للحَبّاتِ حينَ تهرُبُ مِنّي مُمازِحةً وأنا أتَحَسَّسُها، وتَفْرُشُ البِساطَ المَفْرودَ تحتَ الشَّجَرة، ثُمَّ تبدأُ بالتَدَحْرُجِ مُصْطَفّةً في تَجَمُّعٍ زيتونِيٍّ بَهيجٍ؛ كي أجمَعَها بِأخواتِها الكَثيراتِ الّلَواتِ ينتَظِرْنَها بِمُنْتَهى الشَّوْقِ في الوِعاء.
أمْتَنُّ للزَّيْتونِ حينَ يفْهَمُني، ويَشْرَحُ للحَجَرِ المُسْتَقِرِّ في يَدي أنّي لن أراهُ حينَ يرتَصّ؛ فيَتَّفِقا على أن يكونَ الحجَرُ حنونًا حَذِرًا؛ لِئَلّا يدُقَّ أصابِعي، وأن يُطْلِقَ الزَّيتونُ صافِرةً قَصيرةً بِصَوْتٍ أقرَبَ إلى الامتِصاصِ مِنْهُ إلى الصَّفيرِ حينَ يفتَحُ فمَهُ ويدلقُ قطرةَ الزَّيْتِ مُعْلِنًا جُهوزِيَّتَهُ للتَخْليل.
أمتَنُّ للزَّيْتونِ حينَ يفْهَمُني، وحينَ يُراعيني، وحينَ يُمازِحُني، وحينَ يجيؤُني طوعًا، وحينَ يشعُرُ بوِصالِ روحي، فَيوْصِلَ روحَهُ بِروحي، ويُلامِسُ بِبَرَكَتِهِ شِغافَ قلْبي، ويزيدُني تيمًا فوقَ تَيْمي.
أمتَنُّ للزيتونِ حينَ يفهَمُني.
أمتَنُّ
للزَّيْتونِ
حينَ
يفْهَمُني!






المزيد
مقامُ الغياب بقلم فلاح كريم العراقي
في ذكري اخي بقلم محمود عبدالله
ما خلف كلمة “ما في أي شيءبقلم ابن الصعيد الهواري