مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أسيرة الذكرى

Img 20240925 Wa0079

 

كتبت: زينب إبراهيم

عاد من عمله ودلف إلى البيت وهو ينظر لصغيرته التي تشبه الوردة في جمالها الغاني، لكن تلك الزهرة الرقيقة ذبلت إثر الصدمة التي تعرضت لها وكانت تجلس بجوارها رفيقتها وابنة زميله بالعمل ما إن رأته وقفت وهي تساعده في حمل الحقائب مرحبة به : أهلا وسهلا بعودتك يا عماه.

رد عليها: أهلا بكِ يا ابنتي، ألم تفيق بعد؟

نظرت لها في أسى قائلة: لا، لقد ارهقت من كثرة البكاء ونامت؛ لكن هي تظل تحلم بما حدث وتستيقظ، ثم تصرخ وتعاود النوم مجددًا عقلها لا يتحمل ما شاهده من ظلم لعائلتها على يد أولئك القتلة.

تحدث والدها كأنه يرى مشهد مصرع عائلته وهو لم يكن موجود في مهمة خارج البلاد: لن يأت لي نوم أو يهدأ بالي إلى أن أخذ حقهم من الذين استغلوا غيابي وافتعلوا تلك المهزلة والفاجعة لقلبي وفؤاد صغيرتي.

تمتمت داعية رفيقتها: إن شاء الله يا عمي، اعتذر منك يتوجب علي الرحيل؛ لكن سأظل على اتصال وعز إن حدث شيء ما أعلمني عفاها الله وشفاها لنا عما قريب.

آمن على دعائها وذهب إلى غرفة ابنته وجلس بجوارها متذكرًا كل ذكرى جميلة جمعته بعائلته وكم كان مقصر رغمًا عنه معهم ريثما هم منهمك في تحضير الطعام عسى صغيرته تقبل أن تتناول بعضًا منه سمعها تصرخ منادية على والدتها وشقيقها الذي كان يلعب معها قبل مداهمة العصابة التي تود قتل والدها الظابط الذي يقدم على زجهم بالسجن طوال حياتهم: أمي، أخي لا ترحلوا أرجوكم وبدأت في البكاء كلما لاحت الذكرى إلى رأسها.

جاء هو في عجلة محتضن طفلته رغم كبر سنها لا تحب أن تشعر أنها أصبحت في سن الخامسة والعشرون: إنني بجوارك يا ابنتي، لا تقلقي زال البأس؛ لكن هي نظرت له بأعين زائغة: كيف زال؟ أين أمي وأخي إذن؟ لقد رحلوا وتركوني بمفردي هل تكذب علي أم أنك تتوهم أبي؟

مسح دمعته التي انسابت رغما عنه وقال: لا، هم في كل ركن في المنزل معنا ولم يرحلون بعد.

ابتسمت لأول مرة منذ الحادثة قائلة: وأنت ايضًا سترحل مثلهم أليس كذلك أبي؟

شدد في كنفه لها وقال: أنا معك ولن أرحل يا صغيرتي.

اكتفت بالجلوس بجانب والدها وهي تستمد منه بعض القوة، ولكن هيهات هيهات لقد فقدت أمانها التي تتكئ عليه في ارهق أوقاتها؛ والدتها وهي تنظر إليها قبل رحيلها،كأنها تقول ” كوني قوية وبخير لأجلي”.

مازحها والدها في بسمة: ألم تشتاقين إلى طعام والدك المميز ؟

ابتسمت حتى ترضي والدها وتطمئنه عليها: جدًا يا أبي، حتى والدتي سرعان ما تلاشت بسمتها وحل مقره الوجوم والبكاء بشدة وهي تنظر لصورة أمها وتقول: أمي، أمي لماذا رحلتي إلى مكان لم أستطع الذهاب إليه إلا بوقت لا اعلمه؟

قال لها: حبيبتي يا ذات العيون الزهرية، لا تكوني أسيرة الذكرى المؤلمة، لا تنظرين وراءك؛ حتى لا تعلقين هناك إلى الأبد.

نظرت له بأعين دامعة: وأنت هل ستستطيع؟

قال: حبيبتي تعالي سويًا نفعل ذلك، فلا أنا أو أنتِ سيداهم النسيان حياتنا، لكننا لن نستطع استرجاع فلذة كبدنا وحياتنا من جديد؛ لذلك يتوجب علينا الدعاء والصبر أليس كذلك؟

بادرت في الحديث دون نظر إليه: لا أتوقع ذلك أبدًا يا أبي، كفاك حديث فارغ لن أقبل بابتعاد عالمي عني؛ حتى وإن حاولت جاهدة فعل ذلك، أرجوك دعني بمفردي الآن.

حزن لسماعه تلك الكلمات منها ورحل إلى أن تهدأ قليلا ويعود بالحديث مرة أخرى.

بعدما رحل هي سارعت بالاستلقاء على الفراش هاربة من واقعها المرير إلى عالم ترى فيه شقيقها وأمها الذين تركوها بألم لا ينسى أو يأبى الرحيل عنها، ابتسمت حينما نظرت لها والدتها بحنان: لماذا تتعاملين مع والدك بتلك الطريقة منذ أن رحلنا؟

قالت لها بحزن: يود أن انساكم يا أمي، لكني لن أفعل ذلك مطلقا.

ابتسم لها شقيقها قائلا: حينما كنت تنظرين لنا من وراء الخزانة قلت لك مثل أمي ” كوني قوية وبخير لأجلي”.

لكن أنت لم تستمعي لي أو لها ظللت تنظرين لنا وتصرخين بأسمائنا متناسية أمر اجتماعنا فيما بعد بك، لم تعقب بكلمة واحتضنت والدتها باشتياق وقالت: لن أنسى ذكراكم التي جمعتني بكم أبدًا.