كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
كان المقبض بارداً كالموت تحت يد ياسين، ثابتاً لا يستجيب، كأن الباب لم يُصنع ليُفتح من الداخل. التفت ببطء، وقد أدرك أن الهروب لم يعد خياراً، وأن البيت لا يريد مطاردته… بل يريد حديثاً أخيراً.
ساد الصمت فجأة. الهمسات اختفت، والأبواب عادت تُغلق واحدة تلو الأخرى، كأن المكان يستعد لشيء أعظم.
ظهر الرجل من آخر الممر. لم يخرج من غرفة، ولم يأتِ من درج، بل بدا وكأنه تَشكَّل من الظلام نفسه. كانت ملامحه أوضح الآن… نسخة أكبر سناً من ياسين، بعينين متعبتين، ووجه يحمل ذنباً ثقيلاً.
قال بصوت منخفض، لكنه واضح: — تأخرت كثيراً يا ياسين.
تراجع ياسين خطوة، رأسه يعج بالأسئلة: — من أنت؟ ولماذا يشبهني الجميع هنا؟
اقترب الرجل، وتوقّف على مسافة خطوة واحدة: — لأنك آخر السلسلة… وآخر فرصة.
امتدّت الجدران حولهما، وبدأت الصور القديمة تظهر على الحائط، تتحرك كأنها مشاهد حية. رأى رجالاً ونساءً يدخلون البيت طوعاً، وجوههم خائفة، بعضهم يبكي، وبعضهم يُجبر. رأى طقوساً غامضة، أصواتاً تُتلى، ومرآة تُعلّق في قلب البيت.
قال الرجل: — منذ سنوات بعيدة، حاولوا حبس ما لا يجب أن يبقى في هذا العالم. — البيت لم يكن مسكوناً… كان سجناً.
تقدم ياسين نحو المرآة الكبيرة التي بدأت تتشكل أمامه من جديد. داخلها، رأى الوجوه التي رآها في الصورة، تتحرك، تتنفس، تنظر إليه برجاء.
— ولماذا أنا؟ سألها بصوت مكسور.
— لأن دمك منهم… — لأن أحدهم هرب، وأنجب، وظن أن اللعنة انتهت.
اهتزّ البيت بقوة، وسُمعت صرخات مكتومة، كأن السجن بدأ يضعف. الظل الذي لاحقه منذ البداية خرج أخيراً من المرآة، مكتمل الهيئة، بلا ملامح، لكنه مليء بالغضب.
قال الرجل وهو يتراجع: — إما أن تُغلق الدائرة… — أو تتركهم يخرجون جميعاً.
شعر ياسين بثقل القرار، فهم الآن لماذا عاد، ولماذا لم يستطع تجاهل الضوء، ولماذا اختاره البيت. اقترب من المرآة، ووضع يده على الزجاج المتشقق.
تدفقت الصور في رأسه: حياة لن تكون له، طريق لم يسلكه، خوف سيزول… مقابل ثمن واحد.
ابتسم ابتسامة باهتة، وهمس: — كان يجب أن ينتهي هذا منذ زمن.
ضغط بيده.
انفجرت المرآة بضوءٍ أبيض، صرخة واحدة دوّت في أرجاء البيت، ثم… سكون.
مع أول خيوط الصباح، وقف أهل القرية مذهولين. البيت المهجور كان رماداً، بلا أثر، كأنه لم يكن يوماً.
لم يُعثر على ياسين.
لكن منذ تلك الليلة، لم يُرَ ضوء غريب، لم تُسمع همسات، وعادت النجوم إلى السماء.
فقط… أحياناً، حين يمر أحدهم بالمكان ليلاً، يشعر بدفء غريب، وكأن شخصاً ما… لا يزال يحرس السر.
سؤال للمتابعين: هل ترون أن ياسين أنقذ القرية فعلاً؟ أم أن البيت اختفى ليعود بشكل آخر يوماً ما؟






المزيد
على هامش الروح: بقلم: سعاد الصادق
الإعلام رسالة وعي وصوت الحقيقة
قلبٌ مليءٌ نورًا