كتبت: ملاك عاطف
أحبني حين أتعلم درسًا جديدًا من كتاب أو رواية أو برنامج إذاعي، ثم أرتب ما اختزله عقلي من جديد على رفوف الذاكرة الأولى؛ ليتسنى لي سحبها كلما احتجتها، ولتظل في الواجهة أمام ناظري لساني، فيحيلها إلى كلام مغلف بالحكمة متى شاء.
أحبني حين أحطم الرقم القياسي، وأتحدى عداد الزمن مستغرقة أقل وقت ممكن في تدريب عود حنجرتي على لحن معقد أو متفرع من سلالم عدة مقامات موسيقية.
أحبني حين أسمح لشغفي أن يطلق ساقيه لريح الحديث، فأثرثر بمرح وعفوية، مازجة سبعين قصة وموضوعًا لا صلة لهم ببعضهم في كوكتيل حوار يثمر تسلية ومتعة لا تضاهى.
أحبني حين أصر بنزاقة تفاصيلي على سردها لأمي، وأنا أعلم تمامًا أنها لن تصغي إلي لغرقها في دوامة المطبخ، وأتجاهل اعتذاراتها وأتظاهر بأني لم أنتبه لها حين طلبت تأجيل الحديث، فأروي للفرن والغاز والثلاجة وسلال الخضار كل حكاياتي وأخرج، ثم ألومها بشيء من الدعابة؛ لأنها لا تتذكر شيئًا مما قلته.
أحبني حين أسهر مع صديقة في مكالمة تطول لساعات، وأخصص لها طقوسًا مقدسة لا أتنازل عنها لو كسرت الدنيا فخارها فوق رأسي، ثم آخذ لقطة شاشة لعداد الوقت قبل إنهائها، وأحشوها باهتمام صادق في إحدى زوايا الاستوديو؛ كي أراها كلما داهمني الاشتياق، وأخنقها بكثير من الصور الأخرى الممددة فوقها، وأتركها، ثم يعفو عليها الزمن، وأبكي طويلًا عليها بحرقة إذا حذفتها بالخطأ.
أحبني بمزاجي المتقلب، وبحساسيتي التي تتمرد على منطقي وعلى اتزاني أحيانًا، وذوباني في التفاصيل الصغيرة، واشتهائي للعزلة، وتكورّي في سابع نومة، وتدهرجي منها إلى غيبوبة لا أصحو منها إلا بعد منتصف النهار، ودمعة مالحة بللت قلبي الحزين على مشهد كرتوني.
أحبني بكل حالاتي؛ لأعرف كيف أهذبني، وأكافئني، وأرضيني، وأسامحني بعيدًا عن المعاتبة وجلد الذات.
أحبني؛ لأني أستحق الحب، وإذا لم أحبني أولًا فلن يحبني أحد؛ لأني أؤمن بكل جوارحي بأن تعاملي معي مرآة تعكس تعامل الآخرين معي.
أحبني؛ لأني أريد أن أكون اسمًا على مسمى، ملاكًا طاهرًا نقيًا يحوم متبخترًا في فردوس الرقة والطيبة والإبداع، ولأني أعلم أن ملائكية طباعي ستُرمى بنقصان إذا ما وقفت على مطبات زلاتي.
أحبني بعثراتي، ونجاحاتي، وإخفاقاتي، وحلو صفاتي.
أحبني بطفولتي، وفُتوَّتي، وريعان شبابي، وسأعشقني بضعفي، وانحناء ظهري، وشيب شعري، وسقوط أسناني.
أحبني بماضيَّ، وحاضري، ومستقبلي.
أحبني بقدري، باختياراتي، لا لشيء إلا لأني أنا، ولن أكون غير أنا مهما أكننت لنفسي من مشاعر.






المزيد
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي
لو كان بيدي بقلم مريم الرفاعي
عجز بقلم إسراء حسن