مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

آية طلعت تكتب .. اللقاء الذي لم ينتهِ

حين استدارت بي الأقدار تركته خلفي دون وداع، كنت أظن أن ما بيننا قد انقضى، وأن تلك الصفحة من عمري طُويت إلى الأبد، أقنعت نفسي أنني تجاوزت، أنني لن أراه مجددًا، لكنني لم أكن أعلم أن ما كُتب علينا لا يُمحى، وأن بعض الغياب لا ينتهي بل ينتظر لحظة العودة، فعاد، لا كذكرى عابرة، بل كظلٍّ يسكن اللحظة، كقَدَرٍ يتربص بي عند كل منعطف، عاد يتسلل إلى يومي دون استئذان، يرافقني في المكتب، في الحقيبة، في نظرات الزملاء، على شاشة الحاسوب، وفي صمت الورق، كأنه لم يغب قط، عاد بعينيه اللتين تتفحصان وجهي كما لو أن ملامحي لم تتغير، كأنني ما زلت تلك التي تركها، بينما أنا التي أقسمت داخلي مرارًا: “لو عاد يومًا، لتركته”، فإذا بي أعيش منذ سبعة أيام تحت سقف العودة، أشاركه التفاصيل الصغيرة التي ظننت أنني أنساها، أمسكت بالقلم كأنني أستجدي شيئًا من نفسي، وبدأت أكتب، لم يغب عن بصري، حتى حين غفوت فوق الورقة، رأيت كابوسًا يزاحمني أنفاسي: ماذا لو لم أصل في الوقت المناسب؟ المكان سكن، والوقت يتآكل كحافةٍ من دخان، والساعة تمر كالسحاب الرمادي، لا شيء يتحرك، كل شيء جامد إلا القلق، لكنه لم يمنعني من إتمام الكتابة، وصلت إلى السطر الأخير، ثم دوّنت الفهرس، وعندها همس صوت خافت في أذني: “إن كنتِ قد انتهيتِ، قومي… لقد انتهى الدوام”، جمعت أوراقي وغادرت، كنت مرهقة جسديًا، لكن روحي كانت مشحونة بشوق غريب، بشيء يشبه الحنين، لا أعرف له اسمًا، فقط أعرف أنني اشتقت للكتابة، رغم أنها استنزفتني، أغمضت عيني لأستريح، فوجدت صراعًا داخليًا يوقظني: اكتبِي، لا شيء محدد في رأسي، لا فكرة واضحة، لكن رغبتي في الإمساك بالقلم كانت طاغية، كأنني أنتمي إليه، كأنني من حبره تكوّنت، صمتٌ يرافقني، وكتابٌ بين يدي يحكي عن أشياء كنت أحتاج أن أسمعها، كلمات تنفض عن قلبي غبار التعب، كلما قرأت سطرًا منه، ابتسمت، فأنا من أولئك الذين يفرحون لأتفه الأسباب، الذين تمحو لمحة أمل دموعهم العابسة، الذين يرون القمر بوجوهه المتعددة، ويشعرون أن أحدها يشبههم، نصفه منير ونصفه غارق في الغيم، كم اشتاقت أناملي لملامسة ذلك القلم الذي غاب طويلًا، كم حاولت مرافقته دون جدوى، منذ آخر لحظة جمعته بي، لكنني ما زلت أؤمن أنني سأجده، وسأكمل، سأكتب ولو لم أعلم ما الذي أكتبه، وعندما فتحت عيني مجددًا، وجدته هناك… اللقاء الذي انتظرته طويلًا قد تكرر، وكأن الغياب لم يكن أبدًا.

 

𝓣𝓔𝓢𝓦𝓐𝓗𝓝