مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

وجهُ الطمأنينةِ الأوّل للكاتبة: أميرة الزملوط

“وجهُ الطمأنينةِ الأوّل”

للكاتبة: أميرة الزملوط

 

رغم تعاقب السنين، ومحاولات الحياة الدؤوبة لجعلي أكثر صلابة وجفاء، لا أزال أمام جدتي تلك الطفلة الصغيرة التي لم تكبر قط.

هي الشخص الوحيد الذي أهرع إليه كلما ضاقت بي الأرض بما رحبت، والوحيدة التي لا تكتمل مسراتي ولا تزهر نجاحاتي إلا في رحابها.

يقولون إنني أصبحتُ شخصًا عصيًا على التأثر، لا تهزني العواصف ولا تثير شجني الحوادث، لكن كل تلك القوة تتهاوى أمام أبسط عارض يمسّها؛ فأعود طفلةً باكية كأنني ما كبرتُ يومًا، أترك خلفي صخب العالم وانشغالاته، وأركض نحوها وكأنها المبتدأ والمنتهى.

فهي أمي الثانية، وموطني الذي لا أشعر بالأمان إلا في حماه، وأقربُ الخَلقِ إلى نفسي وأكثرهم فهمً لسرائري دون حتى أن أنطق.

أستحضر في ذاكرتي تلك الأيام التي كنتُ فيها طفلةً أتشبثُ بطرف ثوبها، وأعلنُ تذمري باكيةً كلما همّت بالرحيل، ممتنعةً عن مفارقتها.

واليوم، وإن كنتُ قد كبرتُ ولم يعد يليق بي ذاك النحيب، إلا أن قلبي لا يزال يتشبثُ بها بذات اللهفة القديمة.

ولا أرجو من الله شيئًا اليوم إلا أن يحفظها لي، ويمدّ في عمرها، ويمنّ عليها بالشفاء التام، وألا يحرم وجهي من رؤية ملامحها التي هي كل ما تبقى لي من طمأنينة في هذا العالم.