بقلم/ داليا فرج الطواب
نحن نعيش في عصر “الواجهات البراقة”، حيث يتسابق الجميع لعرض أفضل ما لديهم على منصات التواصل الاجتماعي وفي السير الذاتية (CVs) المليئة بالإنجازات والشهادات والجوائز. إذا قرأت سيرة أحدهم، ستظن أن حياته كانت سلسلة متصلة من الانتصارات الساحقة، وأن طريقه كان مفروشاً بالورود والفرص الذهبية. لكننا، في خضم هذا الانبهار بالنتائج، ننسى تماماً “السيرة الذاتية الخفية” التي يحملها كل واحد منا في أعماقه؛ تلك السيرة التي تضم قائمة الرفض، والخطط التي فشلت، والأحلام التي تكسرت على صخرة الواقع، والليالي التي قضيناها في شكٍّ مرير حول قدراتنا وجدوى ما نفعله.
إن “السيرة الخفية” هي الجزء الأكثر إثارة وتشويقاً في قصتنا الإنسانية، لكنها الجزء الذي نصرُّ على إبقائه خلف الستار. نحن نذكر “الترقية” ولكننا لا نذكر عدد المرات التي رُفضنا فيها قبلها، ونحتفل بـ “صدور كتاب” ولكننا نخفي مسوداته الأولى التي كانت مليئة بالأخطاء والتردد، ونعرض “صورنا السعيدة” ولكننا لا نتحدث عن السواد تحت أعيننا بسبب تعب الأطفال أو قلق المسؤوليات. هذا الانحياز للنجاح النهائي خلق نوعاً من “الوهم الجماعي”، جعلنا نشعر بأننا فاشلون إذا تعثرنا، بينما الحقيقة أن هذا التعثر هو المادة الخام التي يُصنع منها النجاح الحقيقي.
المشكلة في تجاهل هذه الكواليس هي أنها ترفع سقف التوقعات إلى حدود غير بشرية، مما يصيبنا بـ “قلق المثالية”. نراقب حياة الآخرين “المنقحة” ونقارنها بكواليسنا “المبعثرة”، فتبدو المقارنة دائماً خاسرة لظلمنا لأنفسنا. إننا بحاجة إلى ثقافة تعيد الاعتبار لـ “المحاولة” لا “النتيجة” فقط؛ ثقافة تدرك أن السقوط ليس عاراً، وأن الاعتراف بالضعف هو قمة القوة. فالإنسان الذي لم يفشل أبداً، هو في الغالب إنسان لم يحاول فعل أي شيء جديد أو مختلف.
إن “سيرتك الخفية” هي التي صقلتك (بالمعنى الذي تحدثنا عنه سابقاً: أي هذبتك وجعلتك أكثر لمعاناً وخبرة). تلك القرارات التي ندمت عليها هي التي علمتك الحكمة، وتلك الأبواب التي أُغلقت في وجهك هي التي وجهتك لطرق لم تكن تخطر لك على بال. لذا، فإن الجمال الحقيقي في أي مسيرة ناجحة لا يكمن في خلوها من العثرات، بل في قدرة صاحبها على الوقوف مجدداً وهو يحمل “ندباته” كأوسمة شرف، لا كفضيحة يجب مواراتها.
في نهاية المطاف، النجاح الحقيقي ليس هو ما يراه الناس ويصفقون له، بل هو “الإنسان” الذي أصبحت عليه في كواليس معاركك الخاصة. إنها تلك القدرة على الحفاظ على الشغف رغم الخذلان، والحفاظ على اللطف رغم قسوة الظروف. فلا تخجلوا من إخفاقاتكم، ولا تخفوا تعبكم خلف مرشحات الصور الجذابة. ففي تلك الفجوات بين الإنجاز والآخر، وفي تلك اللحظات “غير المثالية” التي نقضيها في محاولة استجماع شتاتنا، تُكتب الحكايات الأكثر إلهاماً. دعونا نبدأ في تقدير “رحلتنا” بكل ما فيها من تعرجات، مدركين أن ما لا تذكره السير الذاتية هو بالضبط ما يجعلنا بشراً نستحق الاحترام.






المزيد
مرحباً … أنا هنا، هذا الكوكب عليه حياة
عقلية الفنان
تأثير الضغوط الاجتماعية على صحة المرأة