مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين ينفد صبر الصبور بقلم هاني الميهى

الشخص الصبور عجيب أمره؛ يمنحك ألف فرصة لتُراجع نفسك، يغفر زلّاتك، ويتجاهل أخطاءك كأنها لم تكن. يبتسم وهو يختزن في قلبه جراحًا ما كان غيره ليحتملها. الصبور في كل مرة يقول: “لعلّه يتغيّر، لعلّ الأيام تعلّمه، لعلّ الخير يغلب في داخله”. فيُطيل الصمت، ويؤجّل المواجهة، ويُفضّل الإصلاح على الهدم.

لكنّ الحقيقة التي لا ينتبه إليها الكثيرون أنّ للصبر حدودًا، وأنّ قلب الصبور ليس بحرًا بلا شاطئ. إنّ صمته الطويل ليس ضعفًا، وإنّ تنازلاته المتكررة ليست رضوخًا. هو فقط يختار أن يمنحك الوقت الكافي كي ترى نفسك بعين الحقيقة، ويترك لك مساحة كي تُدرك قيمة وجوده.

غير أنّ المفاجأة تأتي حين تنفد تلك المساحة، وحين يُدرك أنّك لم تفهم إشاراته، ولم تُقدّر عفوه. في تلك اللحظة، تكون الفرصة الأخيرة حاسمة، قاطعة، لا رجعة بعدها. الصبور إذا قرّر أن يُغلق الباب، فلن يفتحه مرة أخرى، لأنه لا يُؤمن بتكرار الخذلان، ولا يقبل أن يعيش عمره في انتظار من لا يستحق.

الصبر فضيلة، نعم، لكنه ليس بابًا مفتوحًا إلى ما لا نهاية. فاحذر أن تستنفد فرصك مع شخص صبور؛ لأنه حين يرحل، يرحل بلا صوت، وبلا عودة، وكأنك لم تكن يومًا جزءًا من حياته.

فهل ننتبه قبل أن نستهلك صبر الآخرين؟ وهل نُدرك أن الهدوء لا يعني الرضا دائمًا، وأنّ الصمت ليس قبولًا، بل ربما يكون إنذارًا خفيًا؟