مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصبح البطء جريمة بقلم أمجد حسن الحاج

حين يصبح البطء جريمة بقلم أمجد حسن الحاج

 

ليس كل ما يمضي ببطءٍ آمنًا، فبعض الطرق لا ترحم المتأخرين، وبعض اللحظات لا تنتظر اكتمال النية. هناك كائنات في هذا العالم خُلقت لتثق في الزمن، تمشي وهي تظن أن الأرض حليفٌ صبور، وأن الطريق لا يحمل في طيّاته فخاخًا خفيّة. لكنها تنسى أن العالم تغيّر، وأن القسوة صارت أسرع من الرحمة، وأحدّ من الحكمة.

 

الحزن الحقيقي لا يصرخ، بل يقف صامتًا عند مفترق غير عادل، حيث لا مجال للهرب، ولا فرصة للتراجع. هناك تُختبر الفلسفة التي طالما آمنّا بها: أن الهدوء نجاة، وأن التأنّي حكمة. لكن ماذا لو كان التأنّي حكمًا مؤجّلًا بالإعدام؟ ماذا لو صار البطء تهمة لا دفاع عنها؟

 

نحمل بداخلنا أصدافًا ثقيلة من التجارب، نحتمي بها من الصدمات، ونظنها درعًا كافيًا. غير أن بعض الجراح لا تخترق الجسد، بل تخدش المعنى نفسه. حين يُجبر الضعيف على مواجهة ما لا يملك حياله خيارًا، يصبح الوجود سؤالًا قاسيًا، بلا إجابة، وبلا شهود.

 

في هذه اللحظة، يتجلّى الظلم في أبسط صوره: قوة لا تفكر، ومصير لا يرحم. لا أحد يسأل عن النوايا، ولا أحد يمنح الوقت حقّه. يُختصر العمر في ثانية، وتُمحى الرحلة الطويلة بقرارٍ صامت. هنا، لا ينتصر أحد، فالخسارة تعمّ، حتى أولئك الذين ظنّوا أنفسهم أقوى.

 

ما أقسى أن يُطلب من الوداعة أن تعتذر عن طبيعتها، ومن السلام أن يدفع ثمن حضوره في عالمٍ يقدّس العنف الخفي. وما أشدّ الوجع حين ندرك أن النجاة لم تعد مرتبطة بالصدق أو البراءة، بل بالسرعة وحدها.

 

تبقى هذه الحكاية بلا دموع ظاهرة، لأن الدموع تليق بمن بقي. أما من غادروا تحت ثقل المفارقة، فقد تركوا لنا سؤالًا معلقًا: هل ما زال في هذا العالم متّسع للبطء، أم أن الحزن صار هو القانون الوحيد الذي لا يُكسر؟