حوار: الطاهر عبد المحسن
تمثّل الكاتبة نسرين بلعجيلي صوتًا سرديًا يتشكّل عند تقاطع التجربة الإنسانية وتعدد الهوية. مغربية الجذور، إيطالية الجنسية، عاشت بين ألمانيا وإيطاليا، وهو ما منح كتابتها عمقًا نابعًا من العيش بين ثقافات وأسئلة انتماء مفتوحة.
في هذا الحوار، تفتح نسرين قلب تجربتها، متحدثة عن علاقتها بالرواية الورقية، وعن النشر والتعاقد، ووعي الكاتب بحقوقه، في رؤية تجمع بين الصدق الإبداعي والمسؤولية المهنية.
1. من هي نسرين بلعجيلي الإنسانة والكاتبة؟ وكيف تعرّفين بنفسك للقارئ لأول مرة؟
نسرين بلعجيلي إنسانة قبل أن تكون كاتبة عاشت التجربة قبل أن تكتبها، وحملت مسؤوليات وأوجاع شكلت وعيها مبكرًا. مغربية الجذور، إيطالية الجنسية عاشت بين ألمانيا وإيطاليا، وهو ما جعلها تعيش دائمًا بين ثقافات وتجارب إنسانية مختلفة وتبحث باستمرار عن معنى الانتماء والهوية.
تعرّف نسرين نفسها للقارئ ككاتبة تكتب بصدق لا تبحث عن البطولة ولا عن المثالية، بل عن الإنسان كما هو بضعفه وقوته وأسئلته.
الكتابة عندها ليست مهنة ولا ترفًا، بل مساحة نجاة، ومحاولة لفهم الذات والعالم وبناء جسر إنساني بالكلمة الصادقة.
2. كيف بدأت علاقتك بالكتابة ومتى اكتشفتِ أن الرواية هي خيارك الأدبي الأبرز؟
علاقتي بالكتابة بدأت منذ الطفولة.
حين لم أكن أعرف كيف أعبّر بالكلام كنت أكتب ما أشعر به. الكتابة كانت طريقتي الأولى للفهم، ومساحة آمنة أقول فيها ما لا أستطيع قوله بصوت عالٍ. ومع الوقت تحوّلت من وسيلة تعبير بسيطة إلى جزء أساسي من هويتي.
3. إلى أي مدى أثّرت هويتك المغربية الإيطالية في رؤيتك السردية وموضوعاتك الروائية؟
إلى حدّ كبير جدًا.
هويتي المغربية الإيطالية أثّرت في رؤيتي السردية وفي الموضوعات التي أكتب عنها لأنني عشت دائمًا بين ثقافتين ولغتين وحساسيتين مختلفتين. هذا جعلني أميل إلى سرد الحكايات التي تتناول الهوية والانتماء والاغتراب وإلى شخصيات تعيش صراعًا داخليًا بين ما ورثته وما اختارته.
تجربتي هذه منحتني نظرة إنسانية أكثر انفتاحًا وجعلت السرد عندي أقرب إلى البحث عن الذات منه إلى الحكاية التقليدية.
4. ماذا تمثل لكِ الرواية الورقية في مسيرتك الإبداعية؟
الرواية الورقية تمثّل لي محطة نضج واعتراف بالرحلة التي قطعتها مع الكتابة.
هي لحظة يتحوّل فيها النص من مساحة شخصية إلى أثر ملموس يُشارك القارئ وتمنحني إحساسًا بالمسؤولية تجاه الكلمة والاستمرار. وجود الرواية مطبوعة يعني أن الحكاية وجدت طريقها إلى العالم، ولم تعد حبيسة الدفاتر أو الشاشات فقط.
5. هل ما زلتِ تؤمنين بأن الكتاب الورقي يمنح الرواية حضورًا وشرعية خاصة؟
نعم ما زلت أؤمن بذلك.
الكتاب الورقي يمنح الرواية حضورًا مختلفًا وشرعية خاصة، لأنه يجعل النص ملموسًا وقابلًا للبقاء. وجود الرواية بين يدي القارئ يخلق علاقة أعمق مع الحكاية ويمنحها زمنًا أطول وتأثيرًا أكثر هدوءًا واستقرارًا.
6. كيف تصفين تجربتك مع دور النشر حتى الآن؟
في البداية مررتُ بتجربة نشر غير مكتملة، حيث لم ترَ روايتي النور ولم تُطبع كما كان مُخططًا لها. كانت تجربة صعبة ومحبِطة، لكنها شكّلت وعيي المبكر بمعنى النشر والمسؤولية، وعلّمتني أن الطريق الأدبي لا يخلو من التعثّر.
أما تعاوني مع دار نبض القمة فكان تجربة مختلفة تمامًا، قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم الواضح.
شعرت فيها بأن النص مسموع ومُقدَّر، وأن هناك شراكة حقيقية تقوم على الثقة.
7. ما أهم المعايير التي تعتمدينها عند التفكير في التعاقد مع دار نشر؟
أهم ما أبحث عنه هو الاحترام المتبادل والوضوح. يهمّني أن تكون دار النشر مؤمنة بالنص لا تتعامل معه كمنتج فقط بل كعمل إبداعي له قيمة. أضع وضوح العقد، وحفظ الحقوق الأدبية والمادية وجودة التحرير والتوزيع، في مقدمة أولوياتي.
8. كيف تنظرين إلى عقود النشر من حيث حفظ حقوق الكاتب الأدبية والمادية؟
أنظر إلى عقود النشر باعتبارها الأساس الحقيقي لحفظ حقوق الكاتب. العقد الواضح والعادل يمنح الكاتب الأمان والثقة ويحدّد المسؤوليات بشكل يحمي العمل من الاستغلال أو الضياع.
9. ما رأيك في النشر على نفقة الكاتب، وهل ترينه خيارًا مشروعًا أم اضطراريًا؟
أراه خيارًا مشروعًا إذا كان مبنيًا على وعي كامل وظروف واضحة.
المشكلة حين يتحوّل إلى حلّ اضطراري دائم بسبب غياب الشفافية أو استغلال حلم الكاتب.
الأهم هو وجود عقد عادل واحترام حقيقي للعمل.
10. ما دور المحرر الأدبي في رأيك قبل الوصول إلى النسخة النهائية من الرواية؟
دور المحرر الأدبي أساسي، لأنه العين الثانية التي ترى النص بموضوعية.
يساعد على تنقية العمل وضبط إيقاعه دون المساس بصوت الكاتب، وهو شريك في الجودة لا رقيب على الإبداع.
11. ما النصيحة التي تقدمينها للروائيين الجدد الراغبين في نشر أعمالهم ورقيًا؟
أنصحهم بالقراءة الجيدة والصبر، وعدم التسرّع في النشر. من الضروري فهم عقود النشر جيدًا، وعدم التوقيع دون وعي كامل بالحقوق.
النشر الورقي خطوة مهمة، لكنها لا يجب أن تكون على حساب جودة العمل أو كرامة الكاتب.
12. كيف تقيّمين دور مجلة إيفرست الأدبية في المشهد الثقافي؟
أقيّم دور مجلة إيفرست الأدبية كدور مهم وواعٍ، لأنها لا تكتفي بالتعريف بالكتّاب، بل تدعمهم معرفيًا وتوعيتهم بقضايا النشر والتعاقد، وتسهم في بناء تجربة أدبية أكثر نضجًا ومسؤولية.
هذا الحوار صورة كاتبة واعية بتجربتها وبمسؤولية الكلمة، ترى في الرواية الورقية أكثر من نص مطبوع، بل مشروعًا إنسانيًا ومعرفيًا لا يكتمل إلا بالصدق والوعي بحقوق الكاتب واحترام مسار النشر.
نسرين بلعجيلي تكتب من قلب التجربة، وتؤمن بأن الأدب ليس سباقًا نحو الظهور، بل رحلة طويلة نحو الفهم، وأن الكلمة حين تُحتضن بعقد عادل ورؤية واعية، قادرة على أن تصل إلى القارئ وتبقى.






المزيد
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب
في هذا الحوار، لا نتوقف عند حدود العمل الأدبي بوصفه منتجًا إبداعيًا فحسب، بل ننفذ إلى ما وراءه؛ إلى الأسئلة التي تسبق الكتابة، والقلق الذي يصاحب الوعي، والتجربة التي تصوغ الكاتب قبل أن يصوغ هو نصه. نحاور الكاتب ورئيس تحرير مجلة إيفرست الأدبية كيرُلس ثروت، في محاولة للاقتراب من رؤيته الفلسفية للأدب، ولمفهومه عن المسؤولية الإبداعية، ودور المجلات الثقافية، والكتابة بوصفها ممارسة وعي لا فعل ترف.