الي أبي جعفر: وداعٌ لا يرجو النسيان
بلال حسان الحمداني
يَومَ الفِراقِ لَقَد خُلِقتَ طَويلا
لَم تُبقِ لي جَلَداً وَلا مَعقولا
هذه الكلماتُ أولُ ما سَمِعتُها من فيّ أبي جعفر الحبيب في أولِ وداعٍ له لنا، لكنه كان وداعاً تلاهُ إيابٌ، أما فراقُ الليلةِ؛ فلا أعلمُ متى سيجودُ علينا الزمانُ بلقاءٍ يشفي قلباً معذباً لطالما تجرَّع ألمَ فقدِ الأحبةِ. وها هي سهامُ الفراقِ مجدداً تنطلقُ فتضربُ قلبي، وكأنَّ قدري أن أودعَ أحبتي واحداً تلوَ الآخرِ، في وقتٍ أشدَّ ما أكونُ بحاجتِهم، فيأبى خلقُ الدنيا أن يديمَ حبيباً، وأراني أنشدُ:
أبا جعفرٍ طالَ الليلُ أم خانني صبري
فخُيّلَ لي أنَّ الكواكبَ لا تسري
أرى البلادَ بعدكَ أقفرتْ
فدهري ليلٌ ليسَ يُفضي إلا فجري
أبى أبو جعفر إلا أن يفارقَنا في “شباط” الذي كتبَ لي بهِ قبلَ سنةٍ فراقاً أدمى قلبي، لكنه كان فراقَ منْ لم يصنِ الودَّ، أما فراقُ أبي جعفر؛ ففراقُ رجلٍ وأيُّ رجلٍ كان سنداً لي حينَ عزَّ السندُ، سندٌ وفيٌّ ما كلَّ ولا ملَّ ولا بعدَ ولا نأى. فرغمَ كثرةِ الأحباءِ حولي، إلا أنَّ له مكاناً لا يسدُّ اختلالَهُ مكانُ صديقٍ ولا قريبٍ.
تاللهِ أني منذُ اقتربَ موعدُ نأي أبي جعفر وأنا أعدُّ الليالي ليلةً بعدَ ليلةٍ، وليس انتظاراً لهذه الليلةِ السوداءِ، بل رغبةً في اغتنامِ كلِّ لحظةٍ في قربهِ، لكنَّ ظروفَ عملي ودراستي كانت لا تجعلني أهنأُ بقربهِ ورؤيته وبودي أن أملأَ ناظريَّ برؤياهُ. وغيرُ ذلك شعورٌ متناقضٌ أن أهربَ منهُ رغبةً أن لا أحفرَ ذكرياتٍ جديدةً معهُ أرثي لها إن مضى. فها أنا اليومَ أمسكُ يراعي، أتعرَّى بضعفي بهشاشتي أمامَ الفراقِ، فالفراقُ هو كانَ أولَ عقدةٍ ولدتْ معي مذ بدايةِ الحربِ وكبرتْ كما كبرتْ سنونُ الحربِ. خِلتُ أنَّ الأحداثَ والوقائعَ ستجعلني أكثرَ تجلداً وصلابةً، لكن هيهات هيهات، فها أنا كطائرٍ كسيرِ الجناحِ لا أقوى على الاعتدالِ أمامهُ.
وإني لأجبنُ عن فراقِ أحبتي
وتحسُّ نفسي بالحِمامِ فتشجعُ
في الآونةِ الأخيرةِ يا أبا جعفر الحبيب -وكنتَ أولَ من أتبعتُ اسمَهُ بلفظةِ (الحبيب) التي علمتُ معناها أنها لا تقالُ لأيِّ أحدٍ سوى من بعدِ تجاربٍ واختباراتٍ في فنِّ العلاقاتِ التي غدتْ سلعةً رديئةً مكدسةً تُبنى على المصالحِ والتصنعِ- لكنها الأرواحُ المجندةُ التي ما توافقَ منها ائتلفَ وما تنافرَ منها اختلفَ. فواللهِ مذ لقاءنا الأولِ الذي أحفرهُ في زاويةٍ جميلةٍ من ذاكرتي، ألا وهو التاسعُ من آذار يا جميلَ آذار، دخلتَ قلبي دون استئذانٍ، وسرى شعورٌ بداخلي يهمسُ لي أنَّ أيامَنا القادمةَ تنبئُ عن علاقةٍ جميلةٍ ستجمعُنا، وصدقَ صوتُ قلبي.
لا أخفيكَ أني صرتُ كما قالَ كثيرُ عزة مخاطباً عزة:
فقلتُ لها يا عزةُ كلُّ مصيبةٍ
إذا وُطّنتْ لها النفسُ ذلّتِ
مذ اقتربَ نأيكَ وصرتُ أجاهدُ أن أوطنَ نفسي لفراقِكَ لكن هيهات هيهات، وأنى لي أن أوطنَها لفراقِ من نزلَ في فؤادي منزلاً ما نزلهُ أحدٌ قبلهُ. أتذكرُ تلكَ الليلةَ الماطرةَ وتاريخَها في الثالثِ من أيار عام 2024 حين لقيتكَ وماءُ السماءِ منهمرٌ وكانت بداياتُنا الجميلةُ. قلتُ لكَ آنذاك: “أخافُ أن أحبَّكَ فتفارقني وأتألمَ لفراقكَ فما أحببتُ أحداً إلا وفارقني”. فقلتَ لي: “سأفارقكَ دون أن أوجعكَ”، فقلتُ لكَ: “وهل الفراقُ لا يوجعُ؟”، فضحكتَ قائلاً: “إذاً لا تحبني”، فضحكتُ وقلتُ: “وهل الحبُّ قرارٌ؟ الحبُّ ليس قراراً” وصمتُّ. وها هي الليلةُ تشهدُ على ألمِ فراقِكَ، فلم يكن حبي لكَ بإرادتي، ولم يكن الفراقُ بيدك.
فلو كانَ هذا الفراقُ يُدفعُ بقوةٍ لتكدستْ عُصبٌ من وراءِ لوائي.
ولعمري إني لأغبطُ من سرقكَ منا، لكن عزائي أنكَ ذاهبٌ للقاءٍ وللوصالِ، وإن كان يعزُّ عليَّ أني لن أشهدَ معكَ لحظاتِ فرحك لكني أشارككَ إياها في بعدكَ وقربكَ. وإن كنتُ عاتباً عليكَ، فأشعرُ أنكَ تركتني صفراً من الأحبابِ والخلانِ الذين كنتَ المقدمَ بينهم.
وإن تكُ من الأنامِ وأنتَ منهمْ
فإنَّ المسك بعضُ دمِ الغزالِ






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى