مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حوار صحفي مع الكاتبة منة الشنواني

حوار: ميمونة أعكي

 

 

في زمنٍ صار فيه الجميع يتكلم، اختارت *منة الشنواني* أن تكتب.

كاتبة جعلت من قلمها صوتا هادئا يصل إلى القلب، وآمنت بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تصنع الحياة.

في هذا الحوار، نقترب منها أكثر، لنعرف كيف بدأت، وكيف تفكر، وماذا تقول لكل حالم بالكتابة.

 

منة، متى أدركتِ أن القلم هو صوتك الحقيقي في مواجهة الحياة؟

أعتقد أنني لم أختر الكتابة بقدر ما اختارتني هي. بدأت أشعر أن بداخلي الكثير من الأفكار والمشاعر التي لا أستطيع التعبير عنها بالكلام، فكان القلم هو المساحة التي أستطيع من خلالها أن أكون على طبيعتي. ومع الوقت أدركت أن الكتابة ليست مجرد هواية بالنسبة لي، بل أصبحت جزءًا من شخصيتي وطريقتي في فهم الحياة والتعبير عنها.

 

ما أول نص كتبته وشعرتِ أنه يمثلك حقًا؟

لا أستطيع أن أقول إن هناك نصًا واحدًا بعينه يمثلني، لكن بداياتي كانت مع الخواطر والنصوص التي كنت أكتب فيها ما يدور بداخلي. ومع كل تجربة كنت أكتشف جزءًا جديدًا من نفسي، حتى انتقلت من مجرد كتابة المشاعر إلى بناء شخصيات وحكايات وعوالم كاملة.

 

من كان الداعم الأول لموهبتك؟ وهل كان هناك شخص آمن بكِ قبل أن تؤمني بنفسك؟

الدعم بالنسبة لي لم يكن دائمًا في صورة كلمات تشجيع، أحيانًا كان مجرد شخص يقرأ ما أكتبه ويهتم به كافيًا ليمنحني دافعًا للاستمرار. لكنني أؤمن أن الكاتب يحتاج في البداية إلى أن يكون هو أول شخص يؤمن بنفسه، لأن الطريق ليس سهلًا، ولن تجد دائمًا من يشجعك أو يفهم ما تحاول الوصول إليه.

 

كيف أثّرت بيئتك في تشكيل وعيك وأسلوبك في الكتابة؟

البيئة المحيطة بي كان لها تأثير كبير، لأنني أرى أن الكاتب لا يعيش بعيدًا عن مجتمعه، بل يتأثر بكل ما يحدث حوله. أراقب الناس وتفاصيل حياتهم وطريقة تفكيرهم ومشكلاتهم، وأحاول أن أفهم ما وراء تصرفاتهم. وأحب أن تكون كتاباتي قريبة من الواقع، لأنني أريد للقارئ أن يرى نفسه أو شخصًا يعرفه بين سطور الرواية.

 

من هو الكاتب الذي تعتبرينه قدوتك، وتستطيعين أن تقرئي كل ما يكتب دون ملل؟

أحترم تجارب الكثير من الكُتّاب، وأرى أن لكل كاتب بصمته الخاصة التي تستحق التقدير. لكنني لا أحب أن أحصر نفسي في تجربة واحدة أو أقلد أسلوب كاتب بعينه، بل أحاول أن أتعلم من كل تجربة أقرأها، وفي النهاية أطمح إلى أن يكون لي أسلوبي الخاص الذي يستطيع القارئ تمييزه.

 

هل تكتبين عندما تكونين سعيدة أم عندما تكونين حزينة أكثر؟ ولماذا؟

أكتب في الحالتين، لكن لكل حالة تأثيرها المختلف. أحيانًا تمنحني السعادة أفكارًا جميلة ومليئة بالحياة، وأحيانًا تجعلني اللحظات الصعبة أكثر قدرة على التعبير والتعمق في المشاعر الإنسانية. لكنني لا أريد أن تكون الكتابة مرتبطة بالحزن فقط، فأنا أرى أن الحياة أكبر من شعور واحد، والكاتب الحقيقي يستطيع أن يكتب عن كل جوانبها.

 

هل لديك طقوس خاصة قبل أن تبدئي الكتابة؟ مثلًا مكان معين أو موسيقى؟

ليس لدي طقوس ثابتة، لأن ظروف الحياة والوقت لا يسمحان لي دائمًا باختيار المكان أو التوقيت المناسب. أحيانًا أكتب في هدوء، وأحيانًا أبدأ في تسجيل فكرة بمجرد أن تأتي إلى ذهني حتى لا أنساها. الأهم بالنسبة لي أن أكون مندمجة مع الأحداث والشخصيات، لدرجة أنني أشعر أحيانًا أنني أعيش داخل العالم الذي أكتبه.

 

من أين تأتيك الأفكار؟ من الحياة اليومية، من الناس، أم من الذكريات؟

من كل شيء حولي تقريبًا. قد تأتيني فكرة من موقف عابر أو جملة أسمعها أو مشكلة أراها في المجتمع، وأحيانًا تبدأ الفكرة بسؤال يظل يشغل تفكيري حتى أجد نفسي أبني حوله رواية كاملة. وأعتقد أن خيال الكاتب لا ينفصل عن الواقع، بل يأخذ منه التفاصيل ثم يعيد تشكيلها في صورة حكاية مختلفة.

 

هل تشعرين بالخوف قبل أن تنشري ما تكتبين؟ وكيف تتغلبين على هذا الخوف؟

بالتأكيد، لأن كل عمل أقدمه يحمل جزءًا من تفكيري ومجهودي، ومن الطبيعي أن أتساءل كيف سيستقبله القارئ. لكنني تعلمت أنني لا أستطيع إرضاء الجميع، وأن اختلاف الآراء أمر طبيعي. لذلك أحاول أن أقدم أفضل ما لدي، وأتقبل النقد الذي يساعدني على التطور، دون أن أسمح للخوف بمنعي من الاستمرار.

 

هل القراءة مهمة للكاتب؟ وماذا تقرئين عادة؟

القراءة بالنسبة للكاتب ليست رفاهية، بل ضرورة. لا يمكن للكاتب أن يطور لغته وأسلوبه وخياله دون أن يقرأ ويكتشف تجارب مختلفة. أميل إلى الروايات الاجتماعية والنفسية، والأعمال التي تناقش قضايا الإنسان والمجتمع، وأحب أن أقرأ ما يجعلني أفكر وأعيد النظر في بعض الأمور.

 

في رأيك، ما الفرق بين من يكتب ليشتهر، ومن يكتب لأنه يحب الكتابة فعلًا؟

الفرق يظهر مع الوقت والاستمرارية. من يكتب من أجل الشهرة قد يتوقف عندما لا يجد الاهتمام الذي ينتظره، أما من يحب الكتابة فعلًا فيستمر حتى في الأوقات التي لا يقرأ فيها أحد ما يكتبه. الشهرة جميلة بالتأكيد، وأتمنى أن تصل كتاباتي إلى أكبر عدد ممكن من الناس، لكن الأهم بالنسبة لي أن أترك عملًا له قيمة ويستحق أن يُقرأ.

 

كيف ترين مستقبل القراءة والكتابة في زمن هيمنة المحتوى السريع ووسائل التواصل الاجتماعي؟

أرى أن القراءة والكتابة لن تختفيا، لكنهما تتغيران مع تغير الزمن. المحتوى السريع أصبح يستهلك جزءًا كبيرًا من وقت الناس، ومع ذلك ما زال هناك من يبحث عن رواية يعيش معها أيامًا، وشخصيات يتذكرها، وأفكار تظل معه بعد انتهاء القراءة. أعتقد أن التحدي الحقيقي أمام الكاتب اليوم هو أن يقدم محتوى يستحق أن يتوقف القارئ من أجله وسط كل هذا الزحام.

 

هل تعتقدين أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت الكاتب الشاب أم أضرت به؟

أعتقد أنها سلاح ذو حدين. ساعدت الكاتب الشاب على الوصول إلى القراء والتعريف بأعماله دون الحاجة إلى إمكانيات كبيرة، وفتحت أمامه فرصًا لم تكن متاحة بسهولة من قبل. لكنها في الوقت نفسه جعلت البعض يهتم بعدد المشاهدات والتفاعلات أكثر من اهتمامه بجودة ما يقدمه. لذلك يجب أن يستخدمها الكاتب كوسيلة للوصول إلى هدفه، وليس كهدف في حد ذاتها.

 

في رأيك، ما الصعوبات التي تواجهها الفتاة أو الشابة التي تحب الكتابة في مجتمعنا اليوم؟

من أكبر الصعوبات أن الفتاة أحيانًا تجد نفسها مطالبة بإثبات أن الكتابة ليست مجرد مضيعة للوقت، وأن لديها طموحًا يستحق أن تأخذه أسرتها والمجتمع على محمل الجد. إلى جانب ضيق الوقت والمسؤوليات اليومية، وصعوبة التوفيق بين الحياة الشخصية والدراسة أو العمل وتحقيق الحلم. وأحيانًا تكون المشكلة ليست في الموهبة، بل في غياب الفرصة المناسبة التي تساعدها على إظهارها.

 

 ما الصفة التي يجب أن يتحلى بها أي كاتب ناجح؟ الصبر، الصدق، أم الشجاعة؟

أرى أن الكاتب يحتاج إلى الصفات الثلاث معًا. الصبر حتى لا يتوقف عند أول عقبة، والصدق حتى تصل كلماته إلى القارئ، والشجاعة حتى يناقش أفكارًا وقضايا قد يخشى الآخرون الاقتراب منها. لكن إذا كان عليّ اختيار صفة واحدة، فسأختار الصبر، لأن الموهبة وحدها لا تكفي، والاستمرار هو ما يصنع الفارق.

 

لو لم تكوني كاتبة، ماذا كنت ستكونين؟

ربما كنت سأبحث عن مجال آخر أستطيع من خلاله التعبير عن أفكاري وصناعة شيء يحمل بصمتي. أحب الإبداع والعمل على الأفكار وتحويلها إلى واقع، لذلك أعتقد أنني كنت سأظل في مجال قريب من الفن أو صناعة المحتوى. فالكتابة بالنسبة لي ليست مجرد مهنة، بل طريقة تفكير.

 

رسالتك الأخيرة: ما الذي تقولينه لكل شاب وشابة يمتلك حلم الكتابة لكنه يخشى أن يبدأ؟

أقول لكل شخص يمتلك حلمًا لا تنتظر أن تصبح مستعدًا بنسبة مئة بالمئة، ولا تنتظر أن يؤمن بك الجميع حتى تبدأ، ابدأ بما تملكه الآن، حتى لو كانت إمكانياتك بسيطة، وحتى لو لم يكن هناك من يقرأ لك في البداية، أنا نفسي مررت بأوقات كان فيها الاستمرار صعبًا، وانشغلت بظروف الحياة وضاق وقتي، لكنني تعلمت أن الحلم يحتاج إلى من يتمسك به، وأحب أن أقول لهم لا تقارنوا بداياتكم بنجاحات الآخرين، فلكل شخص رحلته وتوقيته الخاص، اكتبوا لأن لديكم ما يستحق أن يُقال، ولا تسمحوا للخوف أن يسرق منكم فرصة تحقيق أحلامكم، فقد تبدأ الحكاية بكلمة، ولا تعرفون إلى أين يمكن أن تصل بكم هذه الكلمة.