مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

السجن الذي لا نراه: كيف نصنع قيودنا النفسية بأيدينا؟

بقلم: مي مراد

ليست كل السجون جدرانًا عالية وأبوابًا مغلقة؛ فهناك سجون لا يراها أحد، يعيش الإنسان داخلها سنوات طويلة دون أن يدرك أنه أسيرها. إنها السجون النفسية التي نبنيها من الخوف، والتردد، والشعور بالذنب، والخضوع المستمر لتوقعات الآخرين.

في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة فيما يحدث لنا، بقدر ما تكون في الطريقة التي نفسر بها ما يحدث. فقد يتعرض شخصان للموقف نفسه، لكن أحدهما يتجاوزه، بينما يظل الآخر أسيرًا لتفاصيله، يعيد استحضاره في ذاكرته، ويحمّله من المعاني ما يفوق حقيقته.

الخوف من الرفض.. بداية التنازل عن الذات

من أكثر الظواهر النفسية تأثيرًا في العلاقات الإنسانية: الخوف من الرفض.

ذلك الخوف الذي يدفع الإنسان أحيانًا إلى إخفاء آرائه، والتنازل عن رغباته، وقبول أمور لا تتفق مع قناعاته، فقط حتى يظل مقبولًا لدى الآخرين.

ومع مرور الوقت، يتحول إرضاء الآخرين إلى عبء نفسي، ويصبح الإنسان غريبًا عن احتياجاته الحقيقية، لأنه اعتاد أن يسأل: “ماذا يريد الآخرون مني؟” قبل أن يسأل نفسه: “ماذا أريد أنا؟”.

التفكير الزائد.. حين يتحول العقل إلى مصدر للألم

يُعد الاجترار الفكري من الأنماط النفسية التي تستنزف طاقة الإنسان؛ إذ يظل الفرد يعيد التفكير في المواقف الماضية، ويحلل الكلمات والتصرفات، ويتخيل سيناريوهات لم تحدث وربما لن تحدث.

وهنا يفقد العقل وظيفته الأساسية في الفهم والتحليل، ويتحول إلى دائرة مغلقة من القلق والتوقعات السلبية.

والخطورة أن التفكير المستمر لا يعني بالضرورة الوصول إلى حلول، فقد يكون مجرد إعادة إنتاج للألم بصورة مختلفة.

التعافي يبدأ بالوعي

لا يعني التعافي النفسي أن يصبح الإنسان خاليًا من الخوف أو الحزن أو القلق، بل أن يتعلم كيف يتعامل مع مشاعره دون أن يسمح لها بالسيطرة الكاملة على حياته.

ويبدأ ذلك بـ:

 الاعتراف بالمشاعر دون إنكار.

 ووضع حدود صحية في العلاقات.

 والتوقف عن تحميل النفس مسؤولية مشاعر الجميع.

 فضلًا عن طلب المساعدة النفسية المتخصصة عندما يصبح الألم مؤثرًا في الحياة اليومية.

إن الوعي بالذات ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية تساعد الإنسان على فهم احتياجاته واستعادة قدرته على الاختيار.

أسطورة القيود الداخلية: بروميثيوس وجلسة المصارحة

في المسرح اليوناني، هناك أسطورة تلخص كل ما نتحدث عنه: بروميثيوس، الذي سرق النار للبشر، فعاقبه زيوس بأن قيّده بالسلاسل فوق جبل، يأتيه النسر كل يوم لينهش كبده.

لكن المأساة الحقيقية لم تكن في السلسلة التي وضعها زيوس حول يديه، بل في السلسلة التي لم يستطع بروميثيوس أن يفكها من داخله: سلسلة الشعور بالذنب، لأنه اختار أن يكون مختلفًا.

كم منا يعيش مثل بروميثيوس تمامًا؟

لا أحد قيّده، ولا أحد منعه، لكنه ظل واقفًا في مكانه، ينتظر أن يأتي أحد ليحرره، بينما المفتاح كان في يده طوال الوقت.

نحن لا نحتاج إلى زيوس ليُقيّدنا، نحن نتقن تقييد أنفسنا بأنفسنا: بعبارات مثل: «ماذا سيقولون عني؟»، و*«لو فشلت سأكون أضحوكة»، و«أنا لا أستحق»*.

بروميثيوس ظل مقيدًا لأنه صدّق أن العقاب أبدي، ونحن نظل مقيدين لأننا نصدق أن خوفنا أبدي.

رسالة أخيرة

ربما لا نستطيع تغيير كل الأشخاص الذين يحيطون بنا، ولا التحكم في جميع الظروف التي نمر بها، لكننا نستطيع أن نتعلم ألا نفقد أنفسنا في محاولة إرضاء العالم.

فأقسى أنواع الخسارة ليست أن يبتعد عنا الآخرون، بل أن نبتعد نحن عن ذواتنا، وأن نقضي أعمارنا نحاول أن نكون الصورة التي يريدها الآخرون، وننسى الصورة التي كنا نحلم أن نكون عليها.

فالحرية النفسية تبدأ حين نمنح أنفسنا الحق في أن نكون أنفسنا.