منافي الروح ومقامات الحنين
حين تضيق الروح بما رحُب، وتستحيل جهاتُ النجاة متاهاتٍ لا آخر لها، ألوذ بالحرف، لا استجارةً من الوجع، بل استنطاقاً لما استعصى على البوح. فالكلمات، وإن بدت حروفاً صامتة، مرايا تتكسّر عليها ملامح النفس، ومرافئ ترسو عندها سفن الحيرة حين تضيق بها بحار الوجود.
وللحنين سرٌّ لا يدركه العابرون فهو ليس رجوعاً إلى ما انقضى، بقدر ما هو إقامةٌ في أثرٍ لم يبرحنا نشتاق أحياناً إلى أشياء لم تكن لنا ونرثي في أعماقنا أحلاماً لم تولد كأن في الروح ذاكرةً أقدم من أعمارنا، تحفظ ما عجزت الأيام عن تفسيره
وما الإنسان إلا مسافرٌ في عمق نفسه كلما ظنّ أنه بلغ اليقين، باغتته أسئلةٌ تُعيده إلى أول الحيرة يطلب السكينة فيضطرب، ويستدعي النسيان فتوقظه الذاكرة، ويحسب أن البعد نجاة، فإذا بالمسافات لا تفعل سوى أن تمنح الغياب اتساعاً أكبر.
ولعلّ أشدّ ما يرهق الوجدان أن نتصالح مع ما لم نغفره، وأن نسمّي العجز حكمة، والانطفاء اتزانا والهروب تخطّيا فما التخطي في بعض أحوال الروح، إلا هدنةٌ مؤقتة بين جرحٍ يأبى الاندثار وقلبٍ أضناه طول المقاومة
وهكذا نمضي، لا نحن بلغنا شاطئ النسيان، ولا نحن استطعنا العودة إلى ضفاف الأمس نحمل في صدورنا سراباً نتبعه، وحنيناً نتخفّف منه فلا يخفّ، حتى نكتشف أن المنافي ليست دائماً أرضاً نُبعَد إليها، فقد تكون فكرةً تسكننا، أو ذكرى تتخذ من القلب وطناً لا ترحل عنه
فيا أيها الإنسان أيُّهما أشدُّ اغترابا أن تفقد الطريق إلى العالم أم أن تفقد الطريق إلى نفسك
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر






المزيد
الحلقة الثانية عشرة: الرسالة التي تأخرت بقلم هاني الميهي
الحلقة الحادية عشرة: حين يتحدث الآخرون باسمنا بقلم هاني الميهي
لو عبرنا إلى المعنى بقلم ميسوم صاروطي ✍