مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحلقة الثانية عشرة: الرسالة التي تأخرت بقلم هاني الميهي

الحلقة الثانية عشرة: الرسالة التي تأخرت
الكاتب : هاني الميهى

ما لم نتفق عليه
لم يكن أصعب ما في الإعلان الخاطئ أنه انتشر بين أفراد العائلة، بل أن كل شخص قرأه تعامل معه باعتباره حقيقة انتهى أمرها.

منذ الصباح، لم يتوقف هاتف كريم عن استقبال رسائل التهنئة. بعض الأقارب يسأل عن تفاصيل الحفل، وآخرون يرسلون صورًا لملابس اختاروها للمناسبة، بينما اتصلت به إحدى قريباته لتخبره بأنها رتبت إجازتها بالفعل وفق الموعد الذي أعلنه والده.

كان كريم يقرأ الرسائل دون أن يجيب.

جلس إلى جوار النافذة، والهاتف في يده، بينما كانت سلمى تقف أمام المرآة في الغرفة الأخرى، تحاول إغلاق علبة صغيرة من أدواتها الشخصية. لم تكن تعرف بعد حجم ما حدث، لكنها لاحظت أن كريم يتجنب النظر إليها كلما رن هاتفه.

قالت من مكانها:

ـ هل ما زال الإعلان ينتشر؟

أجاب وهو يفتح رسالة جديدة:

ـ يبدو أن الجميع عرفوا موعد زفافنا، باستثناء صاحبي الزفاف.

لم تضحك سلمى. اقتربت وجلست قبالته، ثم قرأت بعض الرسائل التي ظهرت على الشاشة.

كان أحد الأقارب يسأله عن مكان القاعة، وآخر يطلب منه إرسال بطاقة الدعوة، وثالث يبارك لهما على اختيار الموعد الذي لم يتفقا عليه أصلًا.

قالت بهدوء:

ـ علينا أن نصحح الأمر الآن.

وضع كريم الهاتف على الطاولة.

ـ أعرف، لكنني لا أريد أن أجعل أبي يبدو وكأنه ارتكب خطأ أمام الجميع. هو أراد أن يساعدنا.

ـ وأنا لا أريد أن أحرجه. لكن هل تعرف ما الذي يزعجني؟ أنني كلما حاولت أن أشرح أن القرار يخصنا، أجد نفسي مضطرة إلى إثبات أنني لا أعترض على العائلة، ولا أرفض محبتهم، ولا أبحث عن مشكلة.

تأملها قليلًا.

ـ لا أحد يتهمك بذلك.

ـ ربما لا يقولونها، لكنني أجد نفسي في كل مرة أشرح ما لم أفعله بدلًا من أن أشارك في ما نريد فعله.

لم يرد فورًا. كان يعرف أن في كلامها شيئًا صحيحًا، لكنه كان يشعر أيضًا بأن الأمور تتحول إلى مواجهة أكبر من حجمها. لم يكن يريد أن يصبح تصحيح إعلان عائلي معركة جديدة بين سلمى وأبيه.

قال:

ـ سأكتب رسالة أوضح فيها أن الموعد لم يُحدد بعد.

سألته:

ـ ومن سيكتبها؟

ـ أنا.

ـ وهل ستوضح أن الإعلان السابق لم يصدر عنا؟

تردد.

ـ لا داعي لأن نضع أبي في موقف محرج.

نظرت إليه طويلًا.

ـ أنا لا أطلب منك أن تضعه في موقف محرج. أطلب منك ألا تتركنا في موقف لم نختره.

أمسك كريم الهاتف وفتح مجموعة العائلة. كتب جملة قصيرة، ثم محاها. أعاد الكتابة، وتوقف عند كلمة «نعتذر». لم يكن يعرف لمن يعتذر تحديدًا؛ لمن صدق الإعلان، أم لمن اتخذ ترتيباته، أم لسلمى التي وجدت نفسها مرة أخرى أمام قرار لم تشارك فيه؟

قالت سلمى:

ـ لا تكتب اعتذارًا عن شيء لم نفعله. اكتب الحقيقة فقط.

رفع عينيه إليها.

ـ الحقيقة أحيانًا تكون قاسية في طريقة عرضها.

ـ والكتمان لا يجعلها ألطف. إنه يؤجل أثرها فقط.

ظل الهاتف بين يديه. ثم رن فجأة.

كان والده.

أجاب كريم، وجاءه الصوت من الطرف الآخر متوترًا على غير عادته:

ـ سمعت أنكم ستكتبون في المجموعة أن الموعد غير صحيح.

ـ نعم يا أبي. الإعلان انتشر، والناس بدأت ترتب أمورها.

ـ كان يمكن أن تخبرني قبل أن تفعل ذلك.

نظر كريم إلى سلمى، ثم ابتعد قليلًا عن الطاولة.

ـ نحن لم نرد أن نحرجك.

ـ لكنكم ستفعلون. أنا أخبرت الناس بما ظننته مناسبًا، ولم أقصد أن أفرض عليكم شيئًا.

قال كريم بصوت منخفض:

ـ أعرف أنك لم تقصد.

صمت الأب لحظة، ثم قال:

ـ دعني أنا أوضح الأمر. سأكتب لهم أن هناك تعديلًا في الترتيبات، وأن الموعد سيُعلن لاحقًا.

لم يعجب سلمى التعبير الذي سمعته. لم يكن هناك تعديل في الترتيبات؛ لم تكن هناك ترتيبات متفق عليها من الأساس.

اقتربت من كريم وقالت بصوت يسمعه والده:

ـ أرجوك، لا نريد أن نستبدل إعلانًا غير صحيح بإعلان آخر غير واضح.

سمع الأب صوتها، فقال:

ـ أنا لا أريد أن أدخل في خلاف معكما يا سلمى.

أجابت باحترام:

ـ ولا نحن نريد ذلك. لكن الناس تتعامل مع ما نُشر باعتباره قرارًا نهائيًا. من حقهم أن يعرفوا أن الأمر لم يُحسم.

لم يرد الأب مباشرة. ثم قال:

ـ افعلا ما تريانه مناسبًا.

انتهت المكالمة، وبقي كريم ممسكًا بالهاتف.

كان يشعر أنه يقف بين طرفين لا يريد خسارة أي منهما. لكنه بدأ يدرك أن الوقوف في المنتصف لا يعني دائمًا العدل؛ فقد يعني أحيانًا ترك الطرفين يدفعان ثمن غياب موقف واضح.

قالت سلمى:

ـ لن أطلب منك أن تختار بيني وبين أبيك.

ـ أعرف.

ـ لكنني أريد أن أعرف إن كنا نستطيع أن نختار معًا، حتى عندما يكون الاختيار غير مريح لأحد.

جلس كريم أمامها. فتح صفحة جديدة في المجموعة، وبدأ يكتب:

«نود توضيح أن الموعد والمكان المتداولين لحفل زفافنا لم يتم الاتفاق عليهما حتى الآن، وما نُشر سابقًا كان اجتهادًا غير نهائي. سنعلن التفاصيل بعد أن ننتهي من تحديدها معًا. نشكر كل من هنأنا ونتفهم أن بعضكم بدأ في ترتيب أموره بناءً على ما وصل إليه».

قرأ الرسالة بصوت مسموع.

قالت سلمى:

ـ أضف أننا نعتذر عن الإرباك الذي حدث.

أضاف الجملة، ثم نظر إليها.

ـ هل هذا مناسب؟

أومأت.

ضغط زر الإرسال.

ظهرت الرسالة في المجموعة، وتبعها صمت قصير. كان الصمت هذه المرة مختلفًا؛ لم يكن صمت انتظار موافقة أحد، بل انتظار ما سيحدث بعد أن قالا شيئًا واضحًا.

لم تمر دقائق حتى بدأت الردود.

كتب أحد الأقارب: «إذن لا يوجد موعد حتى الآن؟»

ورد آخر: «كنا قد بدأنا بالفعل في ترتيب السفر».

ثم ظهرت رسالة من عمة كريم:

«كان من الأفضل أن تخبرونا قبل أن يصل الخبر إلى الجميع».

قرأ كريم الرسالة، ولم يعرف كيف يجيب.

قالت سلمى:

ـ اكتب لها أننا لم نكن نعرف أن الإعلان سيُنشر.

ـ لكنها ستفهم أننا نلوم أبي.

ـ ليس كل توضيح اتهامًا يا كريم.

قبل أن يرد، ظهرت رسالة جديدة من والده.

لم يكتب في المجموعة. أرسل إلى كريم على الخاص:

«كنت أظن أن فرحتي بكما ستسعدكما. لم أتخيل أن أكون سببًا في كل هذا الارتباك».

قرأ كريم الرسالة مرتين.

لم يكن فيها غضب صريح، لكنها حملت حزنًا لم يستطع تجاهله. تذكر والده وهو يتحدث عن الزفاف بحماس، وعن رغبته في رؤية الأقارب مجتمعين، وعن سعادته بأنه سيشارك في واحدة من أهم لحظات حياة ابنه. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد قاعة أو موعد؛ ربما كان يحاول أن يشعر بأن له مكانًا في بداية حياة ابنه الجديدة.

قال كريم لسلمى:

ـ أبي حزين.

لم تجبه فورًا.

ثم قالت:

ـ وأنا لا أريد أن يكون حزينًا. لكنني لا أريد أيضًا أن نعيش حياتنا ونحن نخشى أن يحزن أحد كلما قلنا إن لنا رأيًا.

لم يكن في صوتها تحدٍّ. كان فيه تعب شخص حاول طويلًا أن يختار كلماته بعناية، حتى لا يتحول أبسط حق إلى خصومة.

كتب كريم إلى والده:

«أعرف أنك فعلت ذلك من محبتك لنا، وأنا أقدّر فرحتك وحرصك. لم نرد إحراجك، لكننا نحتاج إلى أن نكون طرفًا في كل ما يُعلن باسمنا. نريدك معنا في هذه التفاصيل، لا بعيدًا عنها، ونريد أن نفرح بك وبوجودك دون أن يشعر أحد أننا نرفض مشاركته».

توقف قبل الإرسال، ثم أضاف:

«سنحتاج إليك كثيرًا، لكننا نحتاج أيضًا إلى أن نتعلم كيف ندير حياتنا».

أرسل الرسالة.

لم يرد والده في الحال.

في المساء، ذهبت سلمى إلى منزل أسرتها. كانت أمها قد سمعت بما حدث، واستقبلتها بسؤال مباشر:

ـ هل أزعجتم والد كريم؟

وضعت سلمى حقيبتها على المقعد.

ـ لم نقصد ذلك.

ـ لكن الناس لا تنظر دائمًا إلى النوايا. أحيانًا يكفي أن يشعروا بأنهم لم يعودوا أصحاب رأي.

جلست سلمى بجوار أمها.

ـ وهل نحن أصحاب رأي في حياتنا؟

تنهدت الأم.

ـ بالطبع. لكن الحياة ليست قرارات فردية فقط. هناك عائلات، ومشاعر، وتقاليد.

قالت سلمى:

ـ أعرف. لكنني أخشى أن تتحول التقاليد إلى قرارات جاهزة، ثم نُطالب نحن بأن نكون سعداء بها.

لم تجب الأم. نظرت إلى ابنتها، ثم إلى يديها اللتين كانتا تعبثان بطرف حقيبتها.

قالت بعد قليل:

ـ أنا أيضًا لا أريد أن أراك في خلاف مع أحد. لكنني لا أريد أن أراك بعد سنوات وأنت تقولين إنك وافقت على كل شيء حتى لا تغضبي أحدًا.

كانت تلك أول مرة تسمع فيها سلمى من أمها كلامًا يشبه ما كانت تحاول قوله منذ أسابيع. لم تشعر بالانتصار. شعرت فقط أن المسافة بينهما صارت أقل قليلًا.

في طريق العودة، اتصل كريم.

ـ هل انتهيتِ؟

ـ نعم. وأنت؟

ـ تحدثت مع أبي. لم يقل الكثير.

ـ ربما يحتاج إلى وقت.

سكت لحظة، ثم قال:

ـ أتعلمين ما الذي اكتشفته اليوم؟

ـ ماذا؟

ـ أنني كنت أظن أن حماية مشاعر أبي تعني أن أترك بعض الأمور تمر. لكنني لم أنتبه إلى أن هذا يجعل الآخرين يعتادون أن يتحدثوا بدلًا منا.

ابتسمت سلمى ابتسامة خفيفة.

ـ المهم أن تكون قد انتبهت.

قال:

ـ وأنتِ؟ هل انتبهتِ إلى شيء؟

ـ نعم. أنني أحيانًا أكون حريصة على أن يسمعني الجميع، إلى درجة أنني لا أترك مساحة لأحد كي يشرح ما يقصده.

لم يتوقع كريم اعترافها. كان ينتظر منها أن تتمسك بموقفها، لكنها بدت هذه المرة مستعدة لرؤية الجانب الذي لم تنتبه إليه.

قال:

ـ ربما نحتاج إلى أن نتعلم الكلام قبل أن تتراكم الأمور.

أجابته:

ـ ونحتاج إلى أن نعرف متى نصمت، ومتى يصبح الصمت تنازلًا لا حكمة.

عندما وصلت إلى منزلها، وجدت رسالة جديدة على هاتفها. كانت من إحدى قريبات كريم، التي لم تتحدث معها كثيرًا من قبل:

«أريد أن أسألك سؤالًا، وأرجو ألا تفهميني خطأ. هل أنتِ وكريم متفقان فعلًا على طريقة إدارة حياتكما بعد الزواج؟ لأنني سمعت كلامًا كثيرًا اليوم، ولم أعرف ما الصحيح».

قرأت سلمى الرسالة، ثم فتحت المحادثة مع كريم.

أرسلت إليه صورة الشاشة.

لم يرد مباشرة.

كانت الرسالة مختلفة عن كل ما سبق. لم تعد المسألة موعدًا خاطئًا أو إعلانًا انتشر في مجموعة العائلة. صار هناك من يسأل عن اتفاقهما نفسه، وكأن اختلافهما في بعض التفاصيل دليل على أنهما لا يعرفان ماذا يريدان.

كتبت سلمى:

«يبدو أن الناس بدأت تسأل عن حياتنا قبل أن نبدأها».

جاءها رده:

«وربما علينا أن نعرف نحن أولًا ما الذي اتفقنا عليه، وما الذي تركناه للوقت».

وضعت الهاتف جانبًا.

للمرة الأولى، لم يكن السؤال عن قرار اتخذه أحد نيابة عنهما، بل عن قرارات لم يجلسا معًا لمناقشتها أصلًا.

كانت هناك أشياء كثيرة لم يختلفا عليها، وأشياء أخرى ظنا أن الحب سيجعل الاتفاق بشأنها سهلًا. لكن الحب، مهما كان صادقًا، لا يضع وحده قواعد الحياة اليومية، ولا يجيب عن الأسئلة التي يتجنبها اثنان خوفًا من أن يكتشفا اختلافهما.

وفي تلك الليلة، لم يتحدثا عن موعد الزفاف.

اتفقا فقط على أن يجلسا في اليوم التالي، ويكتبا كل ما لم يناقشاه بعد.

لم تكن ورقة لتحديد موعد، ولا قائمة جديدة للمدعوين.

كانت محاولة متأخرة لمعرفة ما إذا كانا يعرفان فعلًا الحياة التي يستعدان لدخولها.

نهاية الحلقة الثانية عشرة

رسالة الحلقة:
ليس كل تدخل نابع من سوء نية، وليس كل اعتراض دليلًا على قلة التقدير. لكن العلاقة التي لا تملك صوتها الخاص، ستظل مضطرة إلى تصحيح ما يقوله الآخرون عنها. ومن حق العائلة أن تشارك فرحتنا، لكن ليس من حق أحد أن يعيش قراراتنا بدلًا منا.

تمهيد الحلقة الثالثة عشرة:
في اليوم التالي، جلس كريم وسلمى أمام ورقة بيضاء، وبدآ في كتابة الأسئلة التي لم يطرقا أبوابها من قبل. لم تكن الأسئلة عن الحفل أو الأثاث أو موعد الانتقال، بل عن العمل، والوقت، والخصوصية، والمسؤوليات التي لا تظهر في صور الزواج. وعندما وصلا إلى سؤال واحد، اكتشفا أن لكل منهما إجابة مختلفة تمامًا:

ماذا يحدث إذا اضطر أحدهما إلى الاختيار بين طموحه الشخصي واحتياج الآخر؟