مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحلقة الحادية عشرة: حين يتحدث الآخرون باسمنا بقلم هاني الميهي

الحلقة الحادية عشرة: حين يتحدث الآخرون باسمنا
الكاتب : #هاني_الميهى

ما لم نتفق عليه
لم تكن الرسالة التي وصلت إلى كريم مساء ذلك اليوم طويلة، لكنها كانت كافية لإفساد الهدوء الذي بدأ يتسلل إلى نفسه.

كتب والده:

«حجزت القاعة التي زرناها. دفعت العربون حتى لا تضيع الفرصة، وسنتفق على بقية التفاصيل لاحقًا. أخبر سلمى أن الأمور أصبحت أسهل الآن».

قرأ كريم الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها. لم يكن والده قد فعل ذلك بدافع السيطرة، على الأقل وفق ما يعرفه عنه. لقد رأى قاعة أعجبته، وسعرًا ظنه مناسبًا، وفرصة يخشى أن تضيع، فقرر أن يحسم الأمر نيابة عن ابنه.

لكن المشكلة لم تكن في القاعة وحدها.

كان كريم وسلمى قد اتفقا على اختيار مكان أصغر، وعلى تحديد عدد المدعوين وفق ميزانيتهما. أما القاعة التي حجزها والده، فقد سبق أن استبعداها بعدما اكتشفا أن تكلفتها النهائية أعلى مما تسمح به خطتهما.

وضع الهاتف على الطاولة، ثم نهض من مقعده. سار في الغرفة قليلًا قبل أن يتصل بوالده.

لم يرد الأب في البداية، وبعد دقائق عاود الاتصال.

— هل وصلتك رسالتي؟

— نعم يا أبي.

— جيد. القاعة ممتازة، والرجل أعطاني سعرًا خاصًا. لم أرد أن نضيّع الفرصة.

سكت كريم لحظة، ثم قال:

— لكننا لم نتفق على حجزها.

أجابه الأب بنبرة هادئة:

— أعرف أنكما كنتما مترددين، ولذلك حسمت الأمر. أحيانًا يحتاج الإنسان إلى من يساعده على اتخاذ القرار.

لم يكن كريم مستعدًا لهذا الرد. كان يستطيع أن يشرح مرة أخرى لماذا اختار مع سلمى قاعة أصغر، لكنه أدرك أن المشكلة أعمق من اختلاف في التقدير.

قال:

— نحن لم نكن مترددين يا أبي. كنا قد اخترنا مكانًا آخر.

— وهل كان اختياركما نهائيًّا؟

— نعم، اتفقنا عليه.

تغيرت نبرة الأب قليلًا.

— إذن لماذا لم تخبرني؟ كنت أظن أنني أساعدكما.

لم يجد كريم إجابة سهلة. فقد كان قد أخبر والده في أكثر من مناسبة أنهما يراجعان الخيارات، لكنه لم يوضح له أن القرار اتُّخذ بالفعل. ترك مساحة من الغموض، ربما لأنه لم يرد أن يدخل في نقاش جديد، وربما لأنه اعتاد أن يترك لأبيه فرصة المشاركة في القرارات حتى بعد أن يحسمها مع سلمى.

قال أخيرًا:

— كان ينبغي أن أكون أوضح معك. لكن الحجز تم دون موافقتنا، وهذا يضعنا أمام أمر لم نختره.

انتهت المكالمة دون اتفاق. لم يصرخ أحدهما، ولم يوجه الأب اتهامًا مباشرًا، لكن كريم شعر أن شيئًا من المسافة قد ظهر بينهما.

—

حين وصلت سلمى إلى المنزل، كان كريم ينتظرها. لم يبدأ الحديث بسؤال عن يومها، بل أراها الرسالة.

قرأت ما كتبه والده، ثم نظرت إليه.

— هل حجز القاعة فعلًا؟

— دفع العربون.

أعادت الهاتف إليه.

— وماذا ستفعل؟

— سأتحدث معه مرة أخرى.

قالت سلمى بهدوء:

— لا أريد أن تتحدث معه وحدك هذه المرة. المسألة تخصنا معًا، ومن الأفضل أن يعرف أننا اتخذنا قرارًا مشتركًا.

تردد كريم.

— أخشى أن يشعر أننا نقف في مواجهته.

— لسنا في مواجهته. لكن إذا تحدثت أنت وحدك، فقد يظن أن الأمر خلاف بيني وبينك، أو أنني أرفض اختياره. أريد أن يسمع منا الموقف نفسه.

لم تكن سلمى راغبة في الدخول في مواجهة مع والد كريم. كانت تعرف أن الرجل يحب ابنه، وأنه يرى في مساعدته امتدادًا لمسؤوليته تجاهه. لكنها لم تكن مستعدة لأن تتحول نواياه الطيبة إلى قرارات ملزمة لها.

قال كريم:

— ربما نستطيع أن نذهب إليه غدًا ونشرح الأمر بهدوء.

أجابته:

— أوافق. لكن علينا أن نتفق أولًا على ما سنقوله، حتى لا نختلف أمامه.

جلسا إلى الطاولة، وفتح كريم ملف المصروفات. راجعا قيمة القاعة التي اختاراها، وعدد المدعوين، والتكاليف التي سيحتاجان إلى دفعها قبل موعد الزواج.

كانت الأرقام واضحة. القاعة التي حجزها الأب ستستهلك مبلغًا أكبر، كما أن مساحتها تشجّع على دعوة عدد أكبر من الأقارب. وإذا قبلا الحجز، فسيكون عليهما إما زيادة الميزانية، أو تقليص بعض تجهيزات البيت، أو الاعتماد على مساعدة إضافية من الأسرة.

قالت سلمى:

— أنا لا أرفض القاعة لأنها اختيار والدك. لو كانت مناسبة لنا، لوافقت عليها. لكننا درسنا تكلفتها وقررنا أنها لا تناسبنا.

قال كريم:

— هذا ما سأوضحه له.

ثم أضاف بعد لحظة:

— لكنني لا أريد أن أخسره بسبب هذا الموضوع.

نظرت إليه سلمى.

— وأنا لا أريدك أن تخسر أباك. لكن هل تعتقد أن قبول كل قرار يتخذه سيحافظ على علاقتكما؟

لم يجب.

كانت تعرف أن السؤال قد يزعجه، لكنه كان يحتاج إلى التفكير فيه. فالعلاقة التي تقوم على تجنب الاعتراض لا تصبح أكثر قربًا بالضرورة؛ أحيانًا يتراكم الصمت حتى يصبح الاعتراض المتأخر أشد قسوة من كلمة كان يمكن قولها في وقتها.

—

في صباح اليوم التالي، اتصلت والدة سلمى بها.

أخبرتها أن بعض الأقارب بدأوا يسألون عن القاعة، وأنها سمعت من إحدى قريباتها أن والد كريم حجز المكان بالفعل.

استغربت سلمى.

— من أخبرها؟

— لا أعرف. يبدو أن والد كريم تحدث إلى بعض أفراد أسرته، والخبر انتشر.

شعرت سلمى بأن الأمر خرج من حدود النقاش العائلي. لم يعد مجرد حجز يمكن التراجع عنه، بل صار خبرًا يتناقله الناس، وربما بدأت بعض الأسر ترتب نفسها على أساسه.

قالت أمها:

— إذا كان قد حجز القاعة، فلماذا لا توافقان؟ المكان كبير، والناس ستفرح.

أجابت سلمى:

— لأننا لم نختَره.

— لكنه لم يحجزها إلا لمصلحتكما.

— أعرف ذلك يا أمي، لكن النية الطيبة لا تجعل القرار قرارنا.

تنهدت الأم.

— أخشى أن تكبّرا المسألة. كل ما في الأمر قاعة زفاف.

نظرت سلمى إلى النافذة. كانت تعرف أن القاعة في ذاتها ليست قضية تستحق كل هذا التوتر، لكن ما حدث أعاد إليها أسئلة ظنت أنها بدأت تتجاوزها.

من يحدد عدد المدعوين؟ من يقرر حجم الإنفاق؟ من يملك حق تغيير اتفاق اتخذه العروسان؟ وإذا كان كل قرار قابلًا للتعديل لأن أحد أفراد الأسرة يرى أنه يعرف الأفضل، فكيف ستبدو حياتهما بعد الزواج؟

قالت:

— لا أريد أن نختلف مع أحد. أريد فقط أن يكون ما نعلنه للناس نابعًا من اتفاقنا، لا من توقعاتهم.

لم تجب أمها، ثم قالت:

— تحدثي مع كريم. لا تجعلي الأمر يتحول إلى خلاف بين العائلتين.

أنهت سلمى المكالمة وهي تدرك أن الجميع يطلب منها الحفاظ على الهدوء، لكن قليلين يسألونها عمّا تحتاج إليه حتى تشعر بالاطمئنان.

—

في المساء، ذهب كريم وسلمى إلى منزل والده.

كان الأب في غرفة الجلوس، وبجواره زوجته. رحّب بهما، ثم بدأ يتحدث عن القاعة، وعن الإضاءة، ومكان التصوير، وعدد الطاولات. كان يتحدث بحماس رجل يريد أن يرى ابنه في يوم يليق به.

استمعت سلمى باهتمام، ولم تقاطعه. وحين انتهى، قالت:

— نشكرك على اهتمامك، ونعرف أنك تريد أن تجعل اليوم جميلًا لنا.

ابتسم الأب.

— هذا أقل ما يمكن أن أفعله.

تابعت:

— لكننا كنا قد اتفقنا على قاعة أخرى، بعد أن راجعنا الميزانية وعدد المدعوين. لذلك لم نكن ننتظر حجز هذه القاعة.

نظر الأب إلى كريم.

— ألم تخبرك أنني حجزتها؟

قال كريم:

— أخبرتني، لكنني أوضحت لك أننا لم نتفق عليها.

تدخلت الأم محاولة تخفيف الموقف:

— لا داعي لكل هذا. والدك دفع العربون، ويمكن أن نتفاهم مع صاحب القاعة.

قالت سلمى:

— نحن لا نريد أن يضيع المبلغ، لكننا لا نستطيع أن نوافق على قرار لم نشارك فيه لمجرد أن التراجع عنه أصبح محرجًا.

بدا الأب متضايقًا.

— هل تظنين أنني أريد أن أفرض عليكما شيئًا؟ أنا دفعت من مالي، ولم أطلب منكما أن تتحملا التكلفة.

أجابته سلمى:

— لا أظن ذلك. لكن المسألة ليست من سيدفع فقط. نحن نريد أن نختار شكل يومنا، وأن نتحمل مسؤولية اختيارنا.

قال الأب:

— وهل أصبح رأيي غير مهم الآن؟

لم تتسرع سلمى في الرد. كان هذا السؤال هو ما تخشاه؛ أن يتحول اختلافهما حول قرار إلى اختبار لمقدار احترامها له.

قال كريم هذه المرة:

— رأيك مهم يا أبي، ومساعدتك مهمة. لكن هذا لا يعني أن نوافق على كل اقتراح لمجرد أنك تحملت تكلفته.

نظر إليه والده طويلًا.

— كنت أريد أن أريحك من الحسابات.

أجابه كريم:

— أعرف. لكنك أحيانًا تريحني من الحسابات وتتركني أمام نتائج قرار لم أتخذه.

ساد الصمت.

لم يكن كريم معتادًا على مخاطبة أبيه بهذه الصراحة. شعر بأن الكلمات خرجت منه أثقل مما توقع، لكنه لم يتراجع عنها.

قال الأب بعد لحظة:

— حسنًا. ماذا تريدان الآن؟

أخرج كريم الورقة التي أعدها مع سلمى، ووضعها أمامه. شرح لهما القاعة التي اختاراها، والميزانية، والعدد الذي اتفقا عليه. لم يكن يحاول إثبات أن اختيار والده سيئ، بل أن اختيارهما قائم على حسابات واضحة.

تأمل الأب الأرقام، ثم قال:

— وماذا عن العربون الذي دفعته؟

أجاب كريم:

— سنتحمل ما يمكن تحمله إذا لم نستطع استرداده، لكننا نريد معرفة شروط الإلغاء أولًا.

رفع الأب رأسه.

— لن أسمح لكما بأن تدفعا شيئًا. أنا الذي اتخذت القرار، وأنا أتحمل نتيجته.

لم يكن ذلك ما أراد كريم سماعه بالضبط. فقد خشي أن يخرج والده من الموقف وهو يشعر بأنه ارتكب خطأً وعليه وحده إصلاحه. لكنه لم يعرف كيف يوضح له أن الأمر لا يتعلق بالمبلغ، بل بالحدود التي ينبغي أن تكون واضحة بين المساعدة والاختيار.

قال:

— لا نريد أن تتحمل وحدك شيئًا. نريد فقط أن نتفق قبل أن نلتزم.

لم يرد الأب. نهض واتجه إلى الشرفة، وترك الباب مفتوحًا خلفه.

—

بقيت الأم معهما، وقالت إن والدهما لا يقصد إلا الخير، وإنه ربما شعر بالحزن لأنهما لم يشاركا معه القرار منذ البداية.

أومأ كريم.

— كان يجب أن أخبره بوضوح أننا حسمنا اختيارنا.

قالت الأم:

— هو لا يعرف كيف يبتعد عن تفاصيل حياتك. منذ كنت صغيرًا، كان يشعر أن عليه أن يتدخل قبل أن تتعثر.

ابتسم كريم ابتسامة خفيفة.

— أعرف يا أمي. لكنني لم أعد طفلًا.

نظرت الأم إليه، ثم إلى سلمى.

— وأنا لا أريد أن تشعرا بأن وجودنا عبء عليكما. لكن لا تنسيا أننا أيضًا نتعلم كيف نتعامل مع هذه المرحلة.

كانت جملتها أكثر صدقًا مما توقعا. فقد أدركا أن الانتقال من حياة الابن الذي يتلقى التوجيه إلى حياة الرجل الذي يتخذ قراره لا يحدث في يوم واحد. وأن الآباء قد يحتاجون إلى وقت ليتعلموا أن الحب لا يتطلب حضورهم في كل تفصيلة.

عندما عاد الأب، كان أكثر هدوءًا. قال إنه سيتصل بصاحب القاعة لمعرفة شروط إلغاء الحجز، ثم أضاف:

— سأترك لكما اختيار المكان. لكنني أتمنى ألا تفهما من ذلك أنني لا أريد المشاركة في فرحتكما.

أجابته سلمى:

— نريدك معنا، ونريد رأيك. لكننا نريد أيضًا أن تكون مشاركتك إضافة إلى قرارنا، لا بديلًا عنه.

لم يبتسم الأب، لكنه أومأ برأسه.

غادرا المنزل دون خلاف جديد، إلا أن كريم شعر أن الحديث ترك أثرًا لم ينتهِ بعد.

—

في طريق العودة، ظلت سلمى صامتة. لم تكن سعيدة بما حدث، رغم أن النتيجة بدت أقرب إلى ما أراداه.

سألها كريم:

— هل أنت منزعجة؟

قالت:

— لا أعرف. أشعر أننا اضطررنا إلى شرح أمر بديهي أكثر من مرة.

— تقصدين حقنا في الاختيار؟

— أقصد أنني لا أريد أن أكون مضطرة إلى إثبات أنني شريكة في كل قرار. لا أريد أن أعيش بقية حياتي وأنا أشرح لماذا يجب أن أُستشار فيما يخصني.

أمسك كريم بعجلة القيادة، وظل ينظر إلى الطريق.

قال بعد لحظة:

— ربما كنت أترك الأمور تمر لأنني لا أريد أن أزعج أحدًا. لكنني أرى الآن أن عدم الاعتراض قد يجعل الآخرين يعتقدون أنني موافق.

نظرت إليه سلمى.

— وأنا أحيانًا أصر على حسم كل شيء بسرعة، لأنني أخاف أن يتحول الصمت إلى موافقة. ربما نحتاج إلى أن نتعلم كيف نتحدث قبل أن تتراكم الأمور.

قال كريم:

— نحتاج إلى ذلك فعلًا.

كان الحديث بينهما هادئًا، لكنه لم يكن خاليًا من التعب. فكل خطوة نحو الاستقلال كانت تضعهما أمام علاقة قديمة تحتاج إلى إعادة ترتيب، وكل محاولة لحماية قرارهما كانت تكشف أن الحدود لا تُرسم بالكلمات وحدها، بل تحتاج إلى ثبات في المواقف.

—

بعد يومين، اتصل صاحب القاعة بوالد كريم. أخبره أن العربون غير قابل للاسترداد بالكامل، لكنه يستطيع خصم جزء من المبلغ إذا ألغى الحجز خلال المدة المحددة.

عرض الأب أن يتحمل الخسارة، وأصر على ألا يدفع كريم أو سلمى شيئًا.

هذه المرة، وافق كريم على أن يتحمل والده المبلغ، لكنه طلب منه أن يتفقا على أمر واضح: لن يُحجز مكان أو تُدفع تكلفة تخص الزواج قبل موافقة العروسين معًا.

وافق الأب، وإن لم يخفِ شعوره بأن هذه القواعد تجعل الأمور أكثر تعقيدًا مما اعتاد.

أما سلمى، فقد اتصلت بأمها وأخبرتها أن القاعة لم تعد ضمن اختياراتهما، وأنهما سيحجزان المكان الذي اتفقا عليه.

سألتها أمها:

— وهل انتهى الأمر الآن؟

قالت:

— انتهى موضوع القاعة، لكن علينا أن نتفق على بقية التفاصيل قبل أن نعلنها.

لم تعترض الأم، لكنها طلبت منها أن ترسل لها قائمة المدعوين النهائية في أقرب وقت.

—

في تلك الليلة، جلس كريم وسلمى في الشقة. كان ملف العقد على الطاولة، وبجواره قائمة المدعوين التي راجعاها أكثر من مرة.

قال كريم:

— أعتقد أننا أصبحنا أفضل في التعامل مع هذه المواقف.

ابتسمت سلمى.

— ربما. لكنني لا أريد أن نقيس نجاحنا بعدد المرات التي ننجح فيها في رفض الآخرين.

سألها:

— وماذا تقترحين؟

— أن نتعلم كيف نشاركهم دون أن نفقد قرارنا. لا أريد أن تصبح حياتنا معركة دائمة حول من يقرر.

أومأ كريم. كان هذا ما يريده هو أيضًا، لكنه بدأ يدرك أن الأمر يحتاج إلى أكثر من اتفاق بينهما. يحتاج إلى أن يتغير سلوكه حين يتحدث مع أسرته، وأن تتعلم سلمى كيف تعبر عن حدودها دون أن تتحول كل مناقشة إلى اختبار للثقة.

أغلق ملف المدعوين، وقال:

— غدًا نتصل بصاحب القاعة التي اخترناها ونحجزها.

وافقت سلمى، ثم جمعت الأوراق.

وقبل أن ينهضا، وصل إلى هاتف كريم إشعار برسالة من مجموعة العائلة. فتحها، فوجد صورة منشور أعدّه أحد أقاربه، يهنئهما فيه بقرب الزواج، ويذكر موعدًا محددًا للحفل، مع صورة القاعة التي حجزها والده أول مرة.

لم يكن الموعد الذي أعلنه صحيحًا، ولم يكن المكان الذي اختاراه.

قرأ كريم المنشور مرة أخرى، ثم نظر إلى سلمى.

لم يكن الأمر هذه المرة قرارًا اتخذه الأب وحده، ولا اقتراحًا يمكن مناقشته داخل غرفة مغلقة. لقد أصبح هناك إعلان يتداوله الأقارب، وتعليقات تهنئة، وأسئلة من أشخاص لا يعرفون أن العروسين لم يقررا شيئًا من ذلك.

قالت سلمى بصوت خافت:

— من أين عرفوا الموعد؟

لم يجب كريم.

فتح محادثة والده، وكتب رسالة يسأله فيها عمن أخبر الأقارب بالتفاصيل. ثم توقف قبل أن يرسلها.

كان قد بدأ يفهم أن المشكلة لا تنتهي عندما يتراجع شخص عن قرار اتخذه نيابة عنه؛ فهناك دائمًا من يبني على ذلك القرار، ومن ينقله، ومن يصدقه، ثم يصبح تصحيحه أصعب من اتخاذه.

أغلقت سلمى هاتفها وقالت:

— علينا أن نخبر الجميع بالحقيقة.

نظر إليها كريم.

— وماذا لو اعتبروا ذلك إحراجًا لأبي؟

أجابته:

— وماذا لو سكتنا، فأصبحنا نحن من يحرج أنفسنا أمام الجميع؟

ظل كريم صامتًا.

كانت أمامهما الآن أول مواجهة علنية مع قرار لم يتخذاه، ولم يعد الصمت قادرًا على تأجيلها.

وللمرة الأولى، لم يكن عليهما أن يختارا بين قاعة وأخرى، أو بين ميزانية وأخرى.

كان عليهما أن يقررا من سيكتب تفاصيل حياتهما أمام الناس: هما، أم كل من يظن أن محبته تمنحه الحق في الحديث باسمهما؟