مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بائعة الأحلام بقلم سمية عمر عكاشة

بائعة الأحلام

لم تكن الأرملة تخشى الفقر بقدر ما كانت تخشى أن ترى الانكسار في عيني ابنتيها فمنذ أن وارى التراب زوجها أخذت الحياة تنتزع منها ما ظنّت يومًا أنه عصيٌّ على الزوال حتى الأبواب التي حسبتها ملاذًا أُوصدت في وجهها والقلوب التي انتظرت منها المواساة ضاقت بحزنها
خرجت من بيت أهلها تحمل حقيبةً بالية وتمسك بيد ابنتيها فيما كان المساء يمدّ عباءته على الطريق لم تلتفت خلفها فقد أدركت أن بعض الأبواب لا يستحق طرقها مرتين
عند سقفٍ مهجور احتمت الصغيرتان من البرد وسألتها إحداهما
«أمّاه، أين بيتنا؟»
ضمّتها إلى صدرها وأجابت بصوتٍ أخفت فيه ارتجاف قلبها «حيث يجمعنا الله، يبدأ بيتنا يا صغيرتي».
ومع الفجر أخرجت من حقيبتها إبرةً وخيوطًا وبقايا أثوابٍ قديمة كانت قد تعلّمت الخياطة في صباها فقصّت القماش وصنعت دمى صغيرة تطرّز على صدورها قلوبًا حمراء وزهورًا لا تذبل حملتها إلى السوق ووقفت تعرضها بين الباعة لا تملك سوى أصابع ماهرة وإرادةٍ تأبى الانحناء
كانت إذا باعت دميةً لطفلةٍ حزينة أهدتها زهرةً من القماش وتقول «ليس كل ما ينكسر ينتهي»
ومع الأيام ذاع صيتها حتى لقّبها الناس بـ
«بائعة الأحلام»
فهي لم تكن تبيع الدمى وحدها بل كانت تخيط من القماش ما عجزت الحياة عن خياطته في قلوب الناس
لكن المحنة لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة
في ليلةٍ شتوية هطلت الأمطار بغزارة فتسرّبت المياه إلى غرفتها وأغرقت الدمى التي سهرت على صنعها جلست وسط القماش المبتل تحدّق في تعبها وقد غمره الماء لم يبقَ معها ثمن الخبز ولا أجرة الغرفة ولا بضاعةٌ تبيعها في الصباح
رفعت يديها إلى السماء وهمست «يا رب، لا أسألك حياةً بلا ابتلاء، ولكن قلبًا لا يهزمه البلاء»
ظنّت أن ابنتيها نائمتان غير أن الكبرى كانت تجمع الخيوط التي نجت من الماء بينما تفرد الصغرى قطع القماش قرب النافذة
قالت الكبرى
«أمّاه، ألم تعلّمينا أن الخيط إذا انقطع أمكن وصله؟ فلنصلح ما نستطيع»
تأمّلت الأم ابنتها وأدركت أن ما زرعته في قلبيهما من صبرٍ لم يضع هباء نهضت وجلست معهما حتى الصباح فأصلحن الدمى وأضفن إليها أثوابًا مطرّزة بأسماء أصحابها وأرفقن بكل واحدةٍ بطاقةً صغيرةً تحمل عبارةً عن الأمل
وفي السوق استوقفت الدمى امرأةٌ كانت تدير متجرًا للهدايا أعجبتها دقة الصنع، ثم عرفت قصة الأرملة فعرضت عليها أن تتولى صنع الهدايا لمتجرها مقابل أجرٍ ثابت لم يكن العرض إحسانًا عابرًا فقد رأت المرأة في يديها حرفةً تستحق أن تُقدَّر
منذ ذلك اليوم أخذت الطلبات تتزايد وتحولت الغرفة المتواضعة إلى ورشةٍ صغيرة كانت الكبرى تساعد أمها في الحساب والصغرى تختار الألوان فيما استعادت الأرملة شيئًا من طمأنينتها لا لأن الحياة كفّت عن امتحانها بل لأنها وجدت في نفسها قدرةً على مواجهتها
ومضت الأعوام وكبرت الفتاتان وأتمّتا تعليمهما بفضل كدّ أمّهما. ثم ادّخرتا من عملهما حتى اشترتا لها بيتًا متواضعًا له بابٌ لا يملك أحدٌ حقّ إغلاقه في وجهها
وقفت الأرملة على عتبته وأدارت المفتاح بين أصابعها تذكّرت ليلتها الأولى تحت السقف المهجور وسؤال ابنتها عن البيت فاغرورقت عيناها بالدموع
لم يكن البيت أوسع من بيوت الناس لكنه كان أوسع من خوفها وأثبت من وعود الأقارب
وفي تلك الليلة وضعت على رفٍّ قرب النافذة دميةً قديمةً نجت من المطر ثم مرّرت يدها على قلبها القماشي وهمست
«الحمد لله؛ لم تمنحني الحياة ما تمنّيت، لكنها علّمتني كيف أصنع مما بقي ما أستطيع أن أحيا به»
وهكذا لم تعد بائعة الأحلام امرأةً تبيع دمى صغيرة في السوق بل أمًّا نسجت من الخذلان كرامة ومن الصبر سبيلًا ومن اليقين بيتًا لم تستطع عواصف الحياة أن تنتزعه منها
فبعض الأحلام لا تهبط من السماء مكتملة إنما تنبت في أرض المحن وتسقيها الدموع وتحرسها الثقة بالله، حتى تغدو يومًا حقيقةً تليق بكل قلبٍ رفض أن ينكسر
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر