الفصل الأول
الكاتب: هاني الميهي
المقعد الذي لم يجلس عليه أحد
لم أفهم يومًا لماذا يختار الناس المقاعد التي يجلسون عليها بهذه العناية، مع أنهم يتصرفون بعد ذلك كأن الأمر لم يكن اختيارًا من الأساس. في المقهى الذي اعتدت الذهاب إليه بعد انتهاء عملي، كان هناك مقعد ملاصق للنافذة، لا يفضله أحد تقريبًا، ومقعد آخر في منتصف المكان، يظل مرغوبًا حتى لو اضطر الجالس عليه إلى سماع أحاديث الغرباء والتظاهر بأنه لا يسمع شيئًا. كنت أختار المقعد القريب من النافذة، لا لأنني أحب المنظر، بل لأنني أستطيع منه مراقبة الداخلين من دون أن يلاحظ أحد أنني أراقبهم. كنت أرى في ذلك ميزة صغيرة، ولم يخطر ببالي أن هذه الميزة نفسها قد تجعلني أرى أشياء لا تحدث، أو تمنح الأشياء العادية معاني لم تكن موجودة فيها أصلًا.
في أحد الأيام، دخلت امرأة في أواخر الثلاثينيات، تحمل حقيبة كبيرة وتضم إليها ملفًا بنيًّا كأنها تخشى أن يسقط منها شيء ثمين. اختارت المقعد الأوسط، ووضعت الملف أمامها، ثم راحت تنظر إلى الباب كل بضع دقائق. لم تطلب شيئًا في البداية، وحين اقترب منها النادل قالت له إنها تنتظر شخصًا. لم تكن في ملامحها علامات حزن واضحة، لكنها كانت تحرك أصابعها فوق حافة الملف حركة متكررة، تتوقف عنها كلما مرّ أحد بجوارها، ثم تعود إليها بمجرد أن يبتعد.
قلت في نفسي إنها تنتظر مقابلة عمل، أو ربما شخصًا تأخر عليها. وبعد دقائق، دخل رجل، نظر حوله، ثم اتجه إلى طاولة بعيدة عنها وجلس. رفعت المرأة رأسها نحوه، لكنها لم تناده. أما الرجل، فلم يلتفت إليها. شعرت أن بينهما شيئًا غير منتهٍ؛ خلافًا قديمًا، أو موعدًا لم يعد أحدهما يرغب في الوفاء به. بدأت أراقب المسافة بينهما أكثر مما أراقب وجهيهما. كان كل منهما قريبًا بما يكفي ليرى الآخر، وبعيدًا بما يكفي ليتظاهر بأنه لا يراه.
بعد قليل، أخرجت المرأة هاتفها، كتبت رسالة، ثم مسحتها. كتبت مرة أخرى، وأعادت الهاتف إلى الحقيبة. لم يكن في وسعي أن أعرف لمن كتبت، لكنني تخيلت أنها أرسلت إلى الرجل رسالة تطلب منه أن يأتي، وأنه قرأها وقرر تجاهلها. لم أملك دليلًا واحدًا على ذلك، ومع هذا بدأت أشعر بالضيق منه. لم يعجبني هدوؤه، ولا الطريقة التي قلب بها صفحات قائمة الطعام، ولا أنه طلب قهوته من دون أن يبدو عليه أي ارتباك. كنت قد صنعت له تهمة كاملة من أشياء لا تعنيه بالضرورة، ثم جلست أنتظر منه أن يثبت براءته.
حين نهض الرجل، مرّ بالقرب من طاولة المرأة. رفعت رأسها، فتباطأت خطواته للحظة، ثم أكمل طريقه نحو الباب. انقبض شيء في داخلي. قلت: كيف يستطيع الإنسان أن يمرّ بكل هذا البرود أمام شخص ينتظره؟ ثم اكتشفت أنني لم أكن غاضبة من الرجل وحده؛ كنت غاضبة لأن المشهد الذي صنعته في رأسي انتهى بالطريقة التي توقعتها، وكأن النهاية أكدت صحة القصة التي اخترعتها.
بقيت المرأة مكانها. وبعد دقائق، طلبت كوبًا من الماء، فتحدثت مع النادل بصوت منخفض. لم أسمع الكلمات كلها، لكنني التقطت جملة واحدة حين قالت: «لو سمحت، هو هييجي من المستشفى على طول، قال لي أستناه هنا». ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأضافت أنها لا تريد أن تتأخر عليه، لأنه لم ينم منذ يومين.
لم أعرف ما الذي كان يحدث فعلًا، ولم أسأل. ربما كان الرجل الذي غادر شخصًا آخر تمامًا، وربما لم يكن بينهما أي موعد. وربما كانت المرأة تنتظر شخصًا لم يصل بعد، ولم يكن للرجل الذي اتهمته في خيالي أي علاقة بها. لم أستطع التأكد من شيء. كل ما عرفته أنني كنت قد رأيت مشهدًا ناقصًا، ثم أكملته بما يكفي من الظنون حتى صار في رأسي حقيقة متماسكة.
خرجت من المقهى وأنا أفكر في عدد المرات التي فعلت فيها الشيء نفسه. كم مرة رأيت شخصًا صامتًا فقلت إنه متكبر؟ وكم مرة تأخر أحدهم في الرد فاعتبرت ذلك إهمالًا؟ وكم مرة فسرت نظرة عابرة باعتبارها رفضًا، أو مجاملة عادية باعتبارها اهتمامًا؟ لم تكن المشكلة أنني أسيء الظن بالناس دائمًا، بل أنني أحيانًا لا أترك لهم فرصة كي يكونوا شيئًا آخر غير الصورة التي رسمتها لهم.
تذكرت زميلتي في العمل، التي كنت أظن أنها تتعمد إحراجي أمام المدير. كانت تسألني عن تفاصيل تقارير أعددتها، فأرى في أسئلتها محاولة لاصطياد خطأ، وإذا صححت لي رقمًا اعتبرت ذلك رغبة في إظهاري بمظهر الجاهلة. لم أفكر يومًا في احتمال أنها تدقق في كل التقارير بالطريقة نفسها، أو أن ما أراه استهدافًا لي قد يكون مجرد أسلوبها في العمل. كنت أحتفظ بكل موقف يؤيد اعتقادي، وأمرّ سريعًا على المواقف التي لا تناسبه. لم أكن أبحث عن الحقيقة بقدر ما كنت أبحث عما يجعل فكرتي القديمة تبدو صحيحة.
في اليوم التالي، حدث ما جعلني أرى الأمر بوضوح أكبر. كنت أشرح للمدير سبب تأخر تسليم أحد الملفات، فقاطعتني زميلتي وقالت إن هناك مستندًا لم أرفقه. شعرت بحرارة تصعد إلى وجهي، وتهيأت للدفاع عن نفسي، لكن المدير طلب منها أن تريه المستند. أخرجته من ملفها، ثم اكتشفت أنه كان موجودًا عندها منذ يومين، وأنها لم ترسله إليّ رغم أنه كان ضروريًا لإكمال العمل. للحظة، بدا لي أنني كنت محقة منذ البداية؛ ها هي تفعل شيئًا يعطلني بالفعل.
لكنها، قبل أن أتكلم، قالت إنها ظنت أنني حصلت على نسخة أخرى من الإدارة، لأنها كانت قد أرسلت المستند إلى المجموعة المشتركة. لم يكن تفسيرها كافيًا لأعرف إن كانت مخطئة أم تتعمد المراوغة، غير أنني لاحظت شيئًا آخر: كنت أسرع من اللازم في الشعور بالانتصار. لم أكن أريد أن أفهم الموقف، بل أردت أن أربح القضية التي رفعتها عليها في رأسي منذ أسابيع.
لأول مرة، لم أكتفِ بسؤال نفسي إن كانت زميلتي سيئة النية أم لا. سألت سؤالًا لم أكن أحب الاقتراب منه: لماذا أحتاج إلى أن تكون سيئة النية؟ ما الذي سأربحه إذا ثبت أنها تريد إحراجي؟ ولماذا أشعر أن كل تصرف منها يحمل رسالة موجهة إليّ، مع أن حياتها أوسع بكثير من أن تدور حولي؟
لم أصل إلى إجابة نهائية. لم تتحول زميلتي فجأة إلى إنسانة لطيفة في عيني، ولم أقرر أن أثق بها. لكنني بدأت أفرّق بين ما رأيته فعلًا وما أضفته إلى ما رأيت. كان هذا الفرق صغيرًا، لكنه أربكني؛ لأنني اكتشفت أن كثيرًا من أحكامي لم تكن تبدأ من الآخرين، بل من شيء جاهز في داخلي، ينتظر أول إشارة ليخرج إلى العالم.
في المساء، عدت إلى المقهى نفسه. كان المقعد الأوسط خاليًا، والمقعد الملاصق للنافذة ينتظرني كعادته. جلست، وراقبت الداخلين، لكنني حاولت هذه المرة ألا أكتب لهم حكاياتهم قبل أن يجلسوا. دخل شاب يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع، فكدت أصفه بالأنانية، ثم تذكرت أنني لا أعرف إن كان يتحدث إلى شخص لا يسمع جيدًا، أو أنه في مكان مزدحم اضطره إلى رفع صوته. دخلت امرأة تبتسم وهي تقرأ رسالة، فكدت أفترض أنها تلقت خبرًا سعيدًا، ثم انتبهت إلى أنني لا أعرف إن كانت تبتسم من الفرح أو السخرية أو مجرد عادة لا علاقة لها بما تقرأ.
لم أكن أريد أن أتوقف عن الفهم، ولا أن أعيش في شك دائم تجاه كل شيء. كنت فقط أريد أن أترك مسافة بين الحدث وتفسيري له؛ مسافة تكفي لأن يدخل منها احتمال آخر، أو معلومة لم تصل بعد، أو حقيقة لا تشبه ما تمنيت أو خفت أن تكون عليه.
أحيانًا، لا نرى الناس كما هم، بل كما تسمح لنا تجاربنا السابقة أن نراهم. لا لأننا نكذب عمدًا، وإنما لأن العقل لا يحب الفراغ، ولأنه يفضّل قصة مكتملة على أسئلة معلّقة. وحين يجد تفصيلًا ناقصًا، قد يملؤه بأقرب ما يعرفه، لا بأدق ما يمكن أن يكون صحيحًا. وبعد ذلك، ننسى أننا نحن من أضفنا بقية الحكاية، ونبدأ في معاملة الآخرين على أساسها.
ومنذ ذلك اليوم، صرت أراجع أحكامي قبل أن أراجع الناس. لا أنجح دائمًا؛ فما زلت أسيء الفهم، وأتسرع، وأتذكر المواقف القديمة حين يخذلني موقف جديد. لكنني صرت أعرف أن شعوري باليقين ليس دليلًا كافيًا على أنني فهمت. قد أكون قد رأيت الحقيقة، وقد أكون رأيت جزءًا منها، وقد أكون رأيت شيئًا عاديًا ثم منحتُه من خوفي ما جعله يبدو كأنه حقيقة كاملة.
لم أعد أبحث عن المقعد الذي يمنحني رؤية أفضل للآخرين فقط. صرت أبحث، أحيانًا، عن اللحظة التي أستطيع فيها أن أرى ما يحدث دون أن أضيف إليه ما أخشاه.
رسالة الفصل
ليس كل ما نفهمه صحيحًا، وليس كل ما نشعر به دليلًا على ما يحدث خارجنا. قد يكون الشعور حقيقيًا، بينما تكون القصة التي صنعناها لتفسيره خاطئة. وبين الأمرين مساحة تستحق أن نتوقف عندها، قبل أن نحكم على إنسان، أو نخسر علاقة، أو نمنح ظنًا عابرًا سلطة الحقيقة.
تمهيد الفصل القادم
في الحكاية القادمة، سأروي لكم عن امرأة كانت تحفظ كل كلمات الاعتذار التي سمعتها، لكنها لم تكن تتذكر المواقف التي جعلت أصحابها يعتذرون. وحين حاولت أن تفهم لماذا تتكرر الخيبات في حياتها، اكتشفت أن ذاكرتها لم تكن تحتفظ بالماضي كما وقع، بل كما بقي أثره فيها.






المزيد
فقدان الحياة بقلم سها مراد
محراب العشق بقلم سمية عمر عكاشة
محطات الانتظار بقلم رحمة محمود حسن