محراب العشق
ما أقسى أن يُولد الحب في قلبٍ يُجيد الهرب
وأن تُفتح أبواب الروح على مصاريعها
بينما تقف الخطى عند العتبة كأنها لا تعرف إلى أين تمضي
كانت تخشاه لا لأنه لا يستحق أن يُعاش بل لأنه يستحق أكثر مما تملك من شجاعة كانت تعرف أن بعض الرجال لا يمرّون في العمر عابرين
إنما يعبرون أرواحنا كما تعبر الفصول الأشجار
يجرّدوننا من أشياء ظنناها جزءًا منا، ثم يتركوننا نكتشف أننا لم نكن نعرف أنفسنا قبلهم
وكان هو…
يكتب إليها بقلب ناسك
ويخفي بين سطوره رجفة رجلٍ لم تنقذه الحكمة من سطوة عينيها كلما همّ بالاقتراب أعادته هيبة الشعور إلى وحدته
وكلما أوشكت هي على الفرار ردّها الحنين إلى النقطة التي بدأ منها كل شيء
يا لهذه القلوب
كم تبدو عاقلة حين تتحدث عن الحب وكم تفقد من حكمتها حين يقف الحب أمامها بكامل فتنته
إنها تخشى أن تحب فتخسر طمأنينتها ولا تدري أن الطمأنينة التي لا يوقظها شوق
ولا يربكها حضور ولا يسرق النوم من عينيها وجه واحد
قد تكون ضربا آخر من ضروب الغياب
وتخشى أن تسلم قلبها
كأن القلب حين يمنح ينقص
وما علمت أن بعض العطايا لا تفقر أصحابها بل تكشف لهم عن غنى لم يعرفوا أنه يسكنهم
يا امرأة تتقن الوقوف على حافة الشعور
أما آن لك أن تعرفي أن العمر لا ينتظر اكتمال شجاعتنا
أن بعض الأبواب لا تطرق مرتين وأن بعض العيون حين تنصرف
لا تترك خلفها سوى سؤال طويل ماذا لو أننا لم نخَف
لا أحد يطلب منك أن تكوني بلا جراح
ولا أن تدخلي الحب بقلب لم تمسّه الخيبات
فالحب ليس جائزةً للأصحّاء من الألم
بل مساحةٌ يلتقي فيها الناقصون يعترف كلٌّ منهم بضعفه
ثم يختار أن يكون صادقا رغم كل ما يخشاه
تعالي…
ضعي عن قلبكِ درع التردّد واتركي للروح أن تقول ما عجزت الشفاه عن قوله فليس كل اقترابٍ سقوطا
وليس كل انكشافٍ هزيمة
وليس كل من منح قلبه صار أسيرا
بعض الأسرى وحدهم يعرفون معنى الحرية لأنهم لم يعودوا يضطرون إلى إنكار ما يشعرون به
تعالي
إلى محراب الهوى
لا لنعبد الحب
بل لنشهد أنه قادر على أن يجعل من أرواحنا أماكن أكثر اتساعًا للحياة
لنصل صلاة العاشقين
لا ركوعا لأحد
بل اعترافا بأن في داخل الإنسان أشياء لا تفسّرها الفلسفة ولا تُهذّبها الكبرياء
ولا تُسكتها المسافات
ولنتلُ أمنياتنا بصوتٍ يسمعه المؤمن والكافر
العاقل والمجنون
الواقف على شاطئ اليقين والغارق في بحر الاحتمالات
لعل القلوب التي أتعبها الإنكار
تجد في الصدق خلاصها
ولعل الذين طال وقوفهم على أبواب الحب يدركون
أن الأبواب لا تفتح بالخوف
فالحب
يا سيدتي
لا يخلو من المخاطرة
كنه لا يستحق أن نخسره قبل أن نمنحه فرصة الحياة
وإن كان لا بدّ من الخوف فاخشي أن يمضي العمر بك وأنت تنتظرين ضمانا لا يمنحه أحد
وأن تستيقظي يوما لتكتشفي أن القلب الذي كنت تحمينه من الوجع
قد حرم أيضا من الفرح
فبعض الندوب تأتي من الذين أحببناهم
نعم…
لكن بعضها الآخر يأتي من حبٍّ ظلّ في صدورنا طويلًا
حتى مات هناك
دون أن يعرف أحدٌ أنه كان يومًا يريد الحياة
فلا تكابري حين يناديكِ قلبك
ولا تهربي حين تجدين روحا تُشبهك
فليس أشدّ قسوةً من قلبٍ تعلّم كيف ينجو من الحب
ثم اكتشف متأخرا أنه لم يتعلّم كيف يعيش بقلم
سمية عمر عاشة الجزائر






المزيد
فقدان الحياة بقلم سها مراد
المقعد الذي لم يجلس عليه أحد بقلم هاني الميهي
محطات الانتظار بقلم رحمة محمود حسن