تأملات في فلسفة الذاكرة
حين تواطأت الصدفة مع الذاكرة
لم يكن في الحسبان أن نلتقي ولم تكن خُطاي في ذلك اليوم تحمل أي نية للمساءلة؛ كنتُ أمضي كعادتي، مُدرَّعاً بحيادٍ زائف، أرقبُ وجوه العابرين كظلالٍ تمر على حافة الوعي دون أن تستقر؛ لكن الصدفة، تلك القوة الغامضة التي تسخر من ترتيباتنا العقلانية وتنبش في طبقات ما نتوهم أنه نسيان، قررت في رمشة عين أن تُسقط الهدنة وتضع وجهك في مرمى البصر، على نحوٍ أربك فيزياء المكان والزمان معاً.
تلاقت أعيننا ولم يكن الأمر مجرد التقاء حدقتين في زحام، بل كان التحاماً وجودياً أعاد فتح شقٍّ في جدار الوعي؛ تشابكت النظرات كمن يستأنف حواراً انقطع بالأمس فقط، كأن الغياب المديد بكل ثقله وجبروته لم يكن إلا ستارة رقيقة أسدلتها الأيام على مسرحٍ لا تزال شخوصه في ذروة انفعالها؛ تلعثم النبض وارتعشت في العمق يقينياتٌ بنيتُها على مدار سنوات؛ إذ كيف لعقدٍ من الترويض أن ينهار أمام نظرةٍ لم تستغرق سوى ثوانٍ معدودات؟
كنتَ غائباً عن عيني، لكنك لم تغادرني قط؛ كنتَ نائماً في تلك المسارب الخفية من الروح، حيث نحبس الأشياء التي نخاف مواجهتها وحيث تقبع ضحكاتنا القديمة وأحاديثنا التي لم تكن تنتهي والتفاصيل الدقيقة التي لم نكن نلقي لها بالاً حتى استحالت مع الوقت ملاذاً موجعاً للحنين؛ كانت الذاكرة حارساً متواطئاً؛ أوهمتني بالسلام، لكنها في الحقيقة كانت تدخرك كل هذا الوقت، كجمرٍ تحت رماد الأيام ينتظر هبّة ريحٍ واحدة ليتوهج من جديد.
وفي تلك اللحظة، تدفقت الصور بكثافةٍ مباغتة؛ رأيتُنا كما كنّا، يوم كانت أحلامنا تطاول السماء وحين كنا نشيّد من الكلمات عالماً نقيّاً يتسع لدهشتنا ولا يشاركنا فيه أحد؛ انفرط عقد السنوات دفعة واحدة، حتى خُيّل إليّ أن الفراق لم يكن سوى وهمٍ عابر وأن المسافات التي قطعتها بعيداً عنك لم تكن إلا رحلة في دائرة مفرغة أعادتني إلى النقطة ذاتها التي ابتدأ منها الوجع.
يا لمكر الصدفة وقسوة بصيرتها!، كيف لنظرةٍ خاطفة أن تملك كل هذه القدرة على نسف مساحيق النضج؟، وأن تعيد ترتيب الفوضى القديمة لتُظهرها بكامل بهائها ونزفها؟ أردتُ أن أكسر الصمت، أن أسألك عن وطأة العمر الذي عبر وعن الأحلام التي أثقلتها الخيبات فشاخت قبل أوانها وعن تلك الوعود التي علّقناها على مشاجب الغيب ومضينا، لكن الحروف تجمّدت في حلقي؛ أدركتُ حينها أن اللغة عاجزة بطبعها أمام القيامة المفاجئة للمشاعر وأن بعض القصص تبلغ من الكثافة حداً يجعل من الكلام تدنيساً لبلاغتها؛ فالصمت كان لغةً أصدق والعينان كانتا تقرآن المشهد بكل ما أُريد له أن يُقال وكُل ما حُكِم عليه بالكتمان.
ابتسمنا .. وكانت تلك الابتسامة أثقل من البكاء؛ ابتسامة ناضجة، باردة، تحمل في طياتها اعترافاً متبادلاً بالعجز ووداعاً ثانياً لا يقل ضراوة عن الوداع الأول ومضى كلٌّ منا في طريقه، نحمل في أجسادنا خطى الغرباء وفي صدورنا تاريخاً مشتركاً يأبى أن يموت.
وحين ابتلع الزحام ملامحك مجدداً، أدركتُ أن اللقاء لم ينتهِ بانصراف الأجساد؛ فالوجوه التي نقشت حضورها في الروح لا تندثر، بل تتخفّى خلف صخب الحياة اليومية، مترقبةً لحظة تواطؤٍ بين صدفةٍ عمياء وذاكرةٍ لا تشيخ، لتوقظ فينا أشخاصاً ظننا واهمين أننا دفنّاهم تحت ركام السنين.
لم تكن تلك المصادفة مجرد استرجاعٍ لغائب، بل كانت ارتداداً مباغتاً إلى “الأنا” القديمة التي تركتُها معك ذات يوم؛ فالأشخاص الذين نحبهم حقاً لا يأخذون معهم تفاصيلهم فقط حين يرحلون، بل يحتجزون جزءاً من أرواحنا رهينةً لديهم وحين نلتقيهم صدفة، نحن لا نستعيدهم بقدر ما نصطدم بالنسخة التي كنّاها يوماً، بكل براءتها ونقائها الذي قايضناه مع الأيام.
ولعل أعمق ما في فجيعة الصدفة، أنها تمنحنا بريقاً عابراً من زمنٍ مضى وتفتح كوّةً صغيرة على ماضٍ مستحيل، ثم توصدها بعنف، لتتركنا نكمل أعمارنا في وحشة الحاضر، محمّلين بكل ما لم نجرؤ على قوله وبكل ما لن يتسع له زمنٌ آخر.
بقلم: أ. ميسـوم صاروطي ✍🏻 – الجزائر






المزيد
عزيزةُ نفسٍ لا تلين بقلم عبير عبد المجيد الخبيري
تساؤلات في كينونة الإنسان بقلم مناف الشمري
الحلقة الثالثة عشرة: السؤال الذي لم نعرف إجابت بقلم هاني الميهى