الحلقة الثالثة عشرة: السؤال الذي لم نعرف إجابت
الكاتب : هاني الميهى
ما لم نتفق عليه
لم تكن الورقة البيضاء مخيفة في حد ذاتها، لكن ما كُتب عليها جعل كريم يشعر للمرة الأولى أن الزواج ليس بابًا يعبره اثنان، ثم يكتشفان الطريق معًا؛ بل طريق طويل ينبغي أن يعرف كل منهما شيئًا عن تضاريسه قبل أن يخطو فيه.
جلسا إلى طاولة صغيرة في شقة كريم. كان الصباح هادئًا، والضوء يتسلل من بين الستائر، فيما استقرت ورقة بيضاء في منتصف الطاولة، وإلى جوارها قلمان وفنجانان من القهوة.
قالت سلمى وهي تفتح هاتفها:
ـ لنبدأ بالأسئلة التي تركناها معلقة.
ابتسم كريم:
ـ هل أعددتِ قائمة؟
ـ نعم.
ـ كنت أعرف أنك لن تتركي الأمر للصدفة.
وضعت الهاتف جانبًا، وأخرجت ورقة مطوية من حقيبتها.
ـ ليست قائمة طويلة. كتبت فقط الأشياء التي أظن أننا نحتاج إلى مناقشتها قبل الزواج.
مد كريم يده إليها، وبدأ يقرأ.
العمل. المصروفات. الخصوصية. المسؤوليات المنزلية. العلاقة بالعائلتين. الوقت الشخصي. الطموح المهني. القرارات الكبرى.
رفع عينيه إليها.
ـ يبدو أننا نستعد لاجتماع مجلس إدارة.
قالت:
ـ ربما لأننا كنا نتعامل مع حياتنا كأنها ستُدار تلقائيًا.
لم يجد ما يعترض به. أخذ القلم وكتب في أعلى الورقة: «ما الذي لم نتفق عليه بعد؟».
ثم قال:
ـ لنبدأ بالعمل.
كانت سلمى تتوقع هذا السؤال، لكنها لم تكن تتوقع أن يبدأ به.
قالت:
ـ أريد أن أستمر في عملي، وأن أتقدم فيه. لا أريد أن يصبح الزواج سببًا في التراجع عن كل ما بنيته.
ـ وأنا لا أريد منكِ أن تتراجعي.
ـ لكن ماذا لو تطلب عملي انتقالًا إلى فرع آخر؟ أو دورة تدريبية تستغرق عدة أشهر؟ أو فرصة لا تأتي مرتين؟
حرك كريم الفنجان أمامه، ثم قال:
ـ علينا أن ندرس الأمر وقتها.
نظرت إليه.
ـ هذه إجابة لا تحل شيئًا.
ـ لا أستطيع أن أوافق على كل احتمال قبل أن أعرف تفاصيله.
ـ وأنا لا أطلب موافقة مسبقة. أريد فقط أن أعرف هل ترى طموحي جزءًا من حياتنا المشتركة، أم أمرًا أسمح لنفسي به ما دام لا يسبب تغييرًا في حياتك؟
توقف كريم عن تحريك الفنجان.
كان السؤال مباشرًا أكثر مما توقع. لم يكن يريد أن يقيدها، لكنه لم يكن قد تخيل شكل الحياة إذا أصبحت بعض قراراتها المهنية تتطلب منه تغييرًا في عمله أو نمط يومه.
قال بعد لحظة:
ـ أريد أن أكون داعمًا لكِ، لكنني أخشى أن تتحول كل فرصة جديدة إلى اختبار لقدرتنا على التكيف.
أجابت:
ـ وربما تتحول كل فرصة أرفضها خوفًا من التغيير إلى اختبار لقدرتي على الاحتفاظ بنفسي.
لم يكن أحدهما يرفع صوته. ومع ذلك، كان الحديث يقترب من منطقة لم يعتادا دخولها.
كتب كريم على الورقة: «العمل والطموح».
ثم انتقل إلى السؤال التالي.
ـ المصروفات.
قالت سلمى:
ـ تحدثنا عنها من قبل.
ـ تحدثنا عن تقسيم المصروفات، لكننا لم نتحدث عن الظروف الاستثنائية.
ـ مثل ماذا؟
ـ لو فقد أحدنا عمله. لو مرض أحدنا. لو احتاج أحدنا إلى مبلغ كبير لمشروع أو دراسة. هل سنعامل الأمر باعتباره شأنًا شخصيًا أم مسؤولية مشتركة؟
أعجبها السؤال، لكنها لم تُظهر ذلك.
قالت:
ـ أظن أن الإجابة تختلف حسب طبيعة الأمر.
ـ كيف؟
ـ إذا فقدتُ عملي، لا أريد أن أشعر بأنني أصبحت عبئًا عليك. وإذا احتجتَ أنت إلى المال، فلن أتعامل مع الأمر كأنني أقدم لك مساعدة مؤقتة. نحن نبني بيتًا واحدًا.
ابتسم كريم:
ـ إذن نحن متفقان.
ـ ليس تمامًا.
نظر إليها مستفسرًا.
ـ أريد أن يكون لكل منا قدر من الاستقلال المالي أيضًا. لا أريد أن نضطر إلى طلب الإذن في كل مصروف شخصي، ولا أن تتحول الحسابات إلى وسيلة لمراقبة أحدنا للآخر.
هز رأسه موافقًا.
ـ هذا منطقي.
كتب في الورقة: «مسؤولية مشتركة، واستقلال شخصي».
ثم وصل إلى بند الخصوصية.
قال كريم:
ـ أظن أن هذا أسهل البنود.
ابتسمت سلمى ابتسامة خفيفة.
ـ لماذا؟
ـ لأنني لا أتدخل في هاتفك، ولا أحب أن أتدخل في تفاصيلك.
ـ الخصوصية ليست الهاتف فقط.
ـ أعرف.
ـ هل تعرف فعلًا؟
أعاد القلم إلى الطاولة.
ـ ماذا تقصدين؟
قالت:
ـ أقصد أننا بعد الزواج لن نعيش وحدنا في جزيرة. سيكون لكل منا أصدقاء، وعلاقات عمل، ومواقف لا يرغب في شرحها بالتفصيل. هل نستطيع أن نحافظ على مساحة خاصة دون أن يفسرها الآخر باعتبارها إخفاءً؟
فكر كريم قليلًا.
ـ أريد أن أعرف كل ما يؤثر في حياتنا.
ـ وهذا حقك. لكن ليس كل ما يحدث في حياتي يؤثر بالضرورة في حياتنا.
قال:
ـ أخشى أن يصبح هذا التمييز بابًا للأسرار.
ـ وأنا أخشى أن يصبح طلب المعرفة بابًا للتفتيش.
ساد الصمت.
لم تكن سلمى تطلب مساحة لتبتعد عنه، ولم يكن كريم يبحث عن السيطرة عليها. لكن كل واحد منهما كان يحمل خوفًا مختلفًا؛ هي تخشى أن تفقد خصوصيتها باسم القرب، وهو يخشى أن يكتشف يومًا أنه كان بعيدًا عن أمر كان ينبغي أن يعرفه.
قال كريم أخيرًا:
ـ ربما نحتاج إلى قاعدة واضحة: لا نخفي ما يخص العلاقة، ولا نطالب بعضنا بكشف كل ما يخص النفس.
نظرت إليه بإعجاب لم تحاول إخفاءه.
ـ هذه أول إجابة اليوم تصلح لأن نكتبها.
كتبها.
انتقلا بعد ذلك إلى المسؤوليات المنزلية.
لم يكن الموضوع جديدًا، لكنهما اكتشفا أن كلمة «المشاركة» تحمل في ذهن كل منهما معنى مختلفًا.
قال كريم:
ـ نستطيع أن نقسم الأعمال.
ـ لا أريد تقسيمًا على الورق فقط.
ـ ماذا تقصدين؟
ـ أن تقول إننا سنتشارك، ثم تنتظر أن أطلب منك كل مرة أن تفعل شيئًا. أريد أن ترى ما يحتاج إلى إنجاز دون أن أكون مسؤولة عن تذكيرك به.
ابتسم كريم.
ـ أتريدين مني أن أتعلم قراءة أفكارك؟
ـ لا. أريدك أن تتعلم رؤية البيت الذي تعيش فيه.
تأملها، ثم قال:
ـ معك حق. أحيانًا أظن أنني أساعد عندما أنفذ ما تطلبينه، ولا أنتبه إلى أن الطلب نفسه عمل إضافي عليكِ.
كانت تلك ملاحظة لم تتوقعها منه.
قالت:
ـ وأنا أيضًا لا أريد أن أتحول إلى شخص يحصي كل ما يفعله الآخر. أحيانًا أنشغل بالتفاصيل حتى أنسى أنني أعيش مع إنسان، لا أدير مشروعًا.
ضحك كريم.
ـ يبدو أننا عدنا إلى مجلس الإدارة مرة أخرى.
ـ لكن هذه المرة لدينا مؤشرات أداء واضحة.
ضحكا، وخف التوتر قليلًا.
كان من الجيد أن يكتشفا أنهما يستطيعان الاختلاف دون أن يتحول كل اختلاف إلى معركة. لكن ما تبقى من الورقة كان أثقل.
العلاقة بالعائلتين.
قرأ كريم البند بصوت منخفض.
ـ أظن أننا بدأنا نفهم هذا الموضوع.
قالت سلمى:
ـ بدأنا نفهم أن علينا وضع حدود، لكننا لم نتفق على شكلها.
ـ ماذا تريدين تحديدًا؟
ـ ألا تنتقل مشكلاتنا إلى العائلتين قبل أن نحاول حلها بيننا.
ـ أتفق معك.
ـ وألا تتحول الزيارات والالتزامات العائلية إلى واجبات لا نستطيع الاعتذار عنها.
ـ هذا أصعب قليلًا.
ـ لماذا؟
ـ لأن بعض أفراد العائلة لا يفهمون الاعتذار باعتباره اعتذارًا عن موعد، بل يعتبرونه ابتعادًا أو تغيرًا في المشاعر.
قالت سلمى:
ـ أعرف. لكننا لا نستطيع أن نقضي حياتنا في إثبات محبتنا بالحضور في كل مناسبة.
أطرق كريم برأسه.
كان يتذكر والده، وحماسه، ورسائله التي لم يرد عليها. لم يكن يريد أن يصبح كل لقاء مع أسرته اختبارًا جديدًا لحدود العلاقة.
قال:
ـ أريد أن أكون قريبًا من أهلي، وأريدك أن تكوني قريبة منهم أيضًا، لكنني لا أريد أن تشعري بأنك مطالبة بإثبات ذلك طوال الوقت.
ـ وأنا أريد الشيء نفسه مع أسرتي. لا أريد أن نقطع أحدًا، ولا أن نسمح لأحد بأن يقرر عنا.
كتب كريم: «قرب بلا وصاية».
تأملت سلمى العبارة، ثم قالت:
ـ هذه جيدة.
لكنها لم تكن تعرف أن السؤال التالي سيغير نبرة الجلسة كلها.
كان البند الأخير في أسفل الورقة: «ماذا لو تعارض طموح أحدنا مع احتياج الآخر؟».
قرأه كريم، ثم وضع القلم جانبًا.
ـ هذا هو السؤال الذي أرسلتْه قريبتنا إليكِ بالأمس؟
ـ نعم. وربما هو السؤال الذي لم نكن نريد الوصول إليه.
قال كريم:
ـ سأحاول أن أكون واضحًا. إذا حصلتُ على فرصة عمل في مدينة أخرى، وكنتِ مرتبطة بعملك هنا، ماذا سنفعل؟
أجابته سلمى:
ـ سنبحث عن حل يناسبنا معًا.
ـ وإذا لم يوجد حل يناسبنا معًا؟
لم تجبه.
أعاد السؤال بصيغة أخرى:
ـ هل يمكن أن تطلبي مني رفض الفرصة؟
قالت بعد تفكير:
ـ يمكن أن أطلب منك أن ندرس أثرها في حياتنا، وأن نفكر في البدائل. لكنني لا أريد أن أكون الشخص الذي يوقف مستقبلك، كما لا أريد أن أكون مطالبة بالتخلي عن مستقبلي كي تستمر العلاقة.
قال كريم:
ـ وأنا لا أريد أن أجد نفسي أمام اختيار بين عملي وبين وجودك إلى جواري.
ـ ربما لن يكون الاختيار بهذه البساطة.
ـ لكنه قد يحدث.
نظرت إلى الورقة. كانت البنود السابقة قابلة للنقاش، ويمكن تحويلها إلى قواعد واتفاقات مرنة. أما هذا السؤال فكان مختلفًا؛ لأنه لم يكن يتعلق بتوزيع مسؤولية أو تنظيم وقت، بل بما يحدث عندما تصبح رغبتان صادقتان في اتجاهين متعارضين.
قالت سلمى:
ـ هل تتذكر عندما قلت لي إننا سنجد دائمًا حلًا لأننا نحب بعضنا؟
ـ نعم.
ـ كنت أحب هذه الجملة. لكنها اليوم لا تكفيني.
ـ لماذا؟
ـ لأن الحب لا يضمن أن تكون الخيارات سهلة، ولا أن تكون التضحيات متساوية، ولا أن يخرج كل منا من كل قرار راضيًا.
أحس كريم أن شيئًا في داخله ينكمش.
لم يكن يريد أن يسمع منها أن الحب غير كافٍ، رغم أنه كان يعرف ذلك بطريقة ما. كان يفضل أن تبقى الجملة القديمة صالحة؛ جملة تمنحه الطمأنينة دون أن تطالبه بالنظر طويلًا إلى الاحتمالات الصعبة.
قال:
ـ هل تعتقدين أننا غير مستعدين للزواج؟
رفعت عينيها إليه.
ـ لا أعرف. لكنني أعتقد أننا كنا نستعد للزفاف أكثر مما نستعد للزواج.
لم يرد.
رن هاتف كريم. كانت رسالة من مديره في العمل، يخبره فيها أن الإدارة تدرس ترشيح أحد الموظفين لقيادة فريق جديد في فرع الشركة بمدينة الإسكندرية، وأن اسمه ضمن المرشحين، وأنه سيُطلب منه حضور اجتماع خلال الأيام المقبلة.
قرأ الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها.
لاحظت سلمى تغير ملامحه.
ـ ماذا حدث؟
ناولها الهاتف.
قرأت الرسالة، ثم أعادته إليه.
ـ هذه فرصة جيدة.
ـ نعم.
ـ هل كنت تعرف عنها شيئًا؟
ـ سمعت كلامًا غير رسمي منذ أسبوع، لكنني لم أكن أريد أن أفتح الموضوع قبل أن يصبح جديًا.
ـ وماذا يعني ذلك؟
ـ لا أعرف بعد. قد تكون فرصة مؤقتة، وقد تتحول إلى انتقال دائم.
لم تقل شيئًا.
نظر إليها كريم، ثم قال:
ـ هل ترين؟ لم نكد ننتهِ من السؤال حتى وصل إلينا.
قالت:
ـ ربما جاء في الوقت المناسب.
ـ في الوقت المناسب لمن؟
ـ لنا. حتى لا نضطر إلى مناقشة الأمر باعتباره احتمالًا بعيدًا.
أعاد النظر إلى الرسالة.
كان يريد هذه الفرصة منذ سنوات. قيادة فريق جديد تعني مسؤولية أكبر، وخبرة أوسع، وربما طريقًا مهنيًا لم يكن يتخيل الوصول إليه بهذه السرعة. لكنه كان يعرف أيضًا أن انتقاله إلى الإسكندرية سيغير تفاصيل كثيرة في حياتهما، خصوصًا أن عمل سلمى مستقر في القاهرة، وأنهما لم يستقرا بعد على ترتيبات الحياة اليومية.
قال:
ـ لا أريد أن أرفضها.
أجابته:
ـ ولا أريدك أن ترفضها من أجلي.
ـ لكنني لا أريد أن أبدأ زواجنا بالابتعاد.
ـ وأنا لا أريد أن أبدأه وأنا أشعر أن وجودي أصبح سببًا في إغلاق باب أمامك.
ـ إذن ماذا نفعل؟
نظرت سلمى إلى الورقة.
ـ نفعل ما كتبناه. ندرس الأمر معًا، ونفهم التفاصيل، ثم نتخذ قرارًا.
قال كريم:
ـ أخشى أن نصل إلى لحظة نكتشف فيها أن القرار الذي يرضي أحدنا يؤذي الآخر.
ـ ربما يحدث ذلك.
كانت إجابتها هادئة، لكنها لم تكن مطمئنة.
نهضت من مكانها، وجمعت الأوراق. لم ترد أن تحسم شيئًا في جلسة واحدة، ولا أن تجعل الفرصة المهنية سببًا جديدًا للخلاف. كان عليها أن تفكر في عملها، وفي حياتها، وفي معنى أن ترتبط بشخص قد يضطر إلى الانتقال من مدينة إلى أخرى.
أما كريم، فظل ينظر إلى رسالة مديره.
للمرة الأولى لم يكن السؤال: هل سأحصل على الفرصة؟
بل: ماذا سأفعل إذا حصلت عليها؟
وقبل أن تغادر سلمى، قال:
ـ أريد أن أسألك شيئًا أخيرًا.
التفتت إليه.
ـ تفضل.
ـ لو كنتِ مكاني، هل كنتِ ستقبلين؟
فكرت قليلًا، ثم قالت:
ـ لا أعرف. لكنني لو كنت مكانك، فلن أريد أن يكون خوفي من خسارة العلاقة هو السبب الوحيد الذي يجعلني أرفض فرصة مهمة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ـ وهل كنتِ ستطلبين مني أن أذهب؟
قالت:
ـ لن أطلب منك أن تذهب، ولن أطلب منك أن تبقى قبل أن أعرف ماذا يعني كل اختيار بالنسبة إلينا.
خرجت سلمى، وبقيت الورقة على الطاولة.
كانت مليئة بإجابات جزئية، واتفاقات أولية، وأسئلة لم تجد طريقها إلى حل. وفي أسفلها، كتب كريم بقلمه جملة لم يناقشاها:
«لا ينبغي أن يضطر أحدنا إلى الاختفاء كي تستمر حياتنا معًا».
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم فتح هاتفه، وكتب إلى مديره:
«أشكركم على ترشيحي. أود معرفة تفاصيل المهمة ومدتها وطبيعة الانتقال قبل تأكيد موقفي».
لم يرسل الرسالة فورًا.
كان يعرف أن هذه الخطوة لن تحسم شيئًا، لكنها ستفتح بابًا لم يعد يستطيع تجاهله.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، كانت سلمى قد وصلت إلى مكتبها. جلست أمام حاسوبها، وفتحت بريدها الإلكتروني. ظهر أمامها إعلان داخلي عن برنامج تدريبي متخصص خارج القاهرة، لمدة أربعة أشهر، مع احتمال ترشيح المشاركين لمناصب أعلى بعد انتهائه.
قرأت الشروط، ثم توقفت عند خانة التقديم.
لم تكن قد أخبرت كريم بهذا الإعلان من قبل؛ لأنها لم تكن قد قررت إن كانت ستتقدم أم لا.
فتحت رسالة جديدة، وأرسلت إليه رابط البرنامج.
كتبت:
«يبدو أننا لسنا وحدنا من لديه فرصة تحتاج إلى قرار».
وبعد دقائق، وصلها رده:
«إذن علينا أن نناقش الفرصتين معًا».
ابتسمت، لكنها لم تشعر بالراحة الكاملة.
فقد أصبح واضحًا أن المشكلة لم تعد في تدخل الآخرين، ولا في اختلاف العائلتين، ولا في تفاصيل حفل الزفاف.
المشكلة الحقيقية كانت في السؤال الذي لم يستعدا له:
هل يستطيع اثنان أن يبنيا حياة مشتركة، دون أن يطلب أحدهما من الآخر أن يؤجل حياته؟
نهاية الحلقة الثالثة عشرة
رسالة الحلقة:
ليس من العدل أن يصبح الحب مطالبة دائمة بالتنازل، كما أنه ليس من العدل أن تتحول الطموحات الفردية إلى قرارات لا ترى أثرها في حياة الطرف الآخر. الشراكة لا تعني أن يتخلى أحدهما عن طريقه، ولا أن يسير كل منهما في طريق منفصل؛ بل أن يمتلكا الشجاعة لمناقشة الثمن الحقيقي لكل اختيار، قبل أن يدفعه أحدهما وحده.
تمهيد الحلقة الرابعة عشرة:
لم تعد أمام كريم وسلمى فرصة واحدة، بل فرصتان، وكل واحدة منهما قد تغير شكل الحياة التي خططا لها. سيجلسان هذه المرة أمام واقع لا يمكن تأجيله، وستظهر بينهما أسئلة أكثر حساسية: من ينتقل؟ من ينتظر؟ ومن يتحمل كلفة القرار إذا لم يستطع الاثنان الحصول على ما يريدان؟
لكن المفاجأة لن تأتي من العمل وحده؛ فهناك شخص من الماضي سيعود بعرض يجعل الاختيار أكثر تعقيدًا مما توقعا.






المزيد
تأملات في فلسفة الذاكرة بقلم ميسوم صاروطي
يا ليتني أعود من جديد بقلم سها مراد
منافي الروح ومقامات الحنين بقلم سمية عمر عكاشة