مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

‏تساؤلات في كينونة الإنسان بقلم مناف الشمري

‏تساؤلات في كينونة الإنسان

‏حين يغوص العقل البشري في ميزان الوجود، يتهاوى الوهم بأن الحجم المادي هو مقياس القيمة والأهمية. إن رحلة التأمل في أصل الخلق تبدأ من دهشة الواقف على حافة المجهول، ليجد نفسه عالقاً في تناقض مدهش بين ضآلة الجسد وعظمة الفكر.

‏1. الكتلة المادية والفكرة المغيرّة
‏من الناحية المادية البحتاً، الإنسان ليس سوى ذرة عابرة، كتلة محدودة الحجم تشغل حيزاً ضيقاً في هذا الفراغ الكوني الهائل الذي لا تُدرك أطرافه. لكن هذا الجسد الفاني يحمل في داخله “فكرة”؛ والفكرة طاقة خفية بمقدورها أن تهدم إمبراطوريات، وتغير مجرى التاريخ، وتكتب عوالم جديدة لم تكن موجودة من قبل.
‏أما السؤال الأعمق: هل هذا العلم كله حقاً من صنع الإنسان؟ إذا تفكرنا مطولاً، سنجد أن الإنسان لم يخترع نواميس الكون الأساسية، بل كان مكتشفاً و”مترجماً” لها. قوانين الفيزياء، وتناغم الأفلاك، وأسرار الجاذبية، وتعقيدات الخلية الحية؛ كلها حقائق كانت قائمة في ركن الغيب، منتظرة عقلاً واعياً يفك طلاسمها. دور الإنسان يكمن في الاستنباط، والتراكم المعرفي، وبناء الصروح من خامات الطبيعة.

‏2. في فلك الوجود: هل نحن وحدنا؟ وهل نحن كالإلكترون والنايترون؟
‏أبداً؛ فـ «وما يعلم جنود ربك إلا هو». إن فكرة أننا وحدنا في هذا الكون الشاسع الذي يضم مليارات المجرات تبدو منقوصة إذا ما قورنت بسعة الإرادة الإلهية المطلقة التي تتجلى في إبداع أشكال حياة تتجاوز مداركنا.
‏أما من الناحية المادية الصرفة، فحين نقارن حجم الإنسان باتساع الكون المرئي، لا نكاد نصل حتى إلى مرتبة “البعوضة” أو المجهريات، بل قد نكون أقرب ما نكون إلى الإلكترون أو النايترون السابح في مدارٍ ذري مهجور، لا سيما أن الذرة نفسها تتكون من فراغ هائل تتجاوز نسبته 99.9%.

‏3. العالم الأكبر في صدر الإنسان
‏هنا تبرز الفلسفة العميق وتصدح الحكمة الخالدة في البيت الذي يوجز المعجزة:
‏التي تيرز في مقولة الامام علي عليه السلام
‏«أتَحسَبُ أنَّكَ جِرمٌ صَغيرٌ.. وفيكَ انطوَى العالَمُ الأكبرُ»
‏هذه المفارقة تتجلى بأروع صورها في أمرين:
‏شبكة الخلايا العصبية: حين صور العلماء الخلايا العصبية في المخ البشري وقارنوها بصور المحاكاة البنيوية للكون وتوزع المجرات، وجدوا تطابقها مدهشاً في الهيكلية؛ خيوط مضيئة وعقد ترابطية تتوزع بنفس النمط الهندسي، وكأن الدماغ مرآة للكون.
‏إعجاز الأوعية الدموية: لو استُلت أوعية الدم في جسم الإنسان ووُصلت ببعضها خطاً مستقيماً، لبلغ طولها ما بين 96,000 إلى أكثر من 160,000 كيلومتر؛ أي ما يكفي للالتفاف حول كوكب الأرض عند خط الاستواء أكثر من ثلاث إلى أربع مرات!

‏الخاتمة
‏الإنسان ليس مجرد كتلة صماء تشغل حيزاً في الفراغ، بل هو التقاء مذهل بين اللانهاية واللانهاية. كائن من طين وفناء، لكنه يحمل في صدره شعلة وعي تستوعب المجرات، وتسأل بخشوع ودهشة، لتكون هي المسرح الذي يتجلى فيه عظمة الخالق وإبداع التصميم.

‏⁧‫#مَـنافْ_الشَّـمرْي