بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري
(أخصائي نفسي)
هل أنت طالب ذاكرت طوال الليل وحصلت على درجة عالية، ثم قلت “الامتحان كان سهلاً”؟
هل أنتِ طالبة مجتهدة وقلتِ “زميلتي هي الأشطر مني”؟
هل أنت موظف أثنى عليك مديرك فشعرت بالخجل؟
هل أنتِ موظفة أنجزتِ عملكِ بامتياز وقلتِ “أي أحد كان سيفعله”؟
هل أنتِ ست بيت، تطبخين وتنظفين وتربين أولادك طوال اليوم، ثم تنظرين لنفسك في المرآة وتقولين “أنا لا أفعل شيئاً مفيداً”؟
هل أنت رجل تعمل من الصباح للمساء لتكفي بيتك، ومع ذلك تشعر أنك مقصر؟
إذا شعرت بهذا، فأنت لست وحدك، ولست فاشلاً… أنت تعيش ما نسميه في علم النفس “متلازمة المحتال”.
ما هي متلازمة المحتال؟
هي حالة نفسية يعيشها 70% من البشر؛ صوت داخلي يقول لك: نجاحك ليس حقيقياً، أنت تخدع الناس.
الطالب يظن تفوقه صدفة.
والموظف يظن ترقيته مجاملة.
وربة المنزل تظن أن تعبها في البيت ليس عملاً.
والرجل يظن أن تعبه لا يكفي.
وصاحب الحلم يظن أن حلمه بسيط ولا قيمة له.
لماذا نشعر بهذا؟
1. تربية المقارنة: البنت تقارن نفسها بزميلتها، والولد يقارن نفسه بصديقه، وست البيت تقارن بيتها ببيت جارتها، والرجل يقارن راتبه براتب غيره… فنشعر دائماً أننا أقل.
2. وهم الكمال: نريد كل شيء مثالياً؛ الطالبة تريد 100%، والموظفة تريد بيتاً نظيفاً وأولاداً متفوقين وعملاً ناجحاً في نفس الوقت، والرجل يريد أن يكون أباً وموظفاً وابناً مثالياً في لحظة واحدة… وهذا مستحيل.
3. عدم تقدير التعب غير المرئي: المجتمع يقدر الشهادة والراتب، لكنه لا يقدر تعب الأم التي تسهر بطفل مريض، ولا تعب الأب الذي يتحمل ضغط الشغل، ولا تعب البنت التي تحاول تحقيق حلمها وسط الانتقادات. فنحن أيضاً لا نقدر تعبنا!
كيف تعرف أنك تعيشها؟
عندما يمدحك أحد، تقول: “لا، هذا ليس شيئاً”.
تخاف أن يكتشف الناس أنك لست ذكياً كما يظنون.
تعمل فوق طاقتك ليس حباً في العمل، بل خوفاً من كلام الناس.
تؤجل فرحتك، وتقول: “عندما ينجح أولادي سأفرح” أو “عندما أكبر سأرتاح”، ولا تفرح اليوم أبداً.
ترى إنجازات غيرك كبيرة، وإنجازاتك صغيرة، حتى لو كانت أكبر.
هل تصيب الرجل والمرأة؟
نعم، وبالذات ربة المنزل. الإحصائيات تقول إن ربة المنزل هي الأكثر إصابة بهذه المتلازمة؛ لأنها تعمل 16 ساعة يومياً بلا راتب ولا شهادة تقدير ولا ترقية؛ تطبخ، تمسح، تذاكر للأولاد، وتسمع لمشاكل الزوج، وفي آخر اليوم تشعر أنها “لم تفعل شيئاً”.
وكذلك الرجل الذي يعمل في عمل شاق ولا أحد يقول له شكراً، يشعر أنه مجرد ماكينة فلوس، وليس إنساناً ناجحاً.
والطالبة التي تجيب درجات عالية ويقولون لها “بكرة تتجوزي وتنسي”.
روشتة نفسية لكل واحد فينا
للطلاب والطالبات: اكتب كل يوم مادة واحدة فهمتها جيداً، ليس الدرجة بل الفهم؛ فالفهم هو نجاحك الحقيقي.
للموظفين والموظفات: في نهاية اليوم، اكتب شيئاً واحداً ساعدت به أحداً في العمل. مساعدة واحدة تكفي لتكون ناجحاً.
لستات البيوت (وهو الأهم): اكتبي كل يوم 5 أشياء فعلتيها (طبخت، نظفت، ذاكرت لابني، سمعت زوجي، صبرت). هذه ليست أشياء بسيطة، هذه هي الحياة نفسها؛ أنتِ تديرين دولة صغيرة اسمها البيت (وزيرة اقتصاد ووزيرة تعليم ووزيرة صحة في وقت واحد).
للرجال: اكتب كل يوم شيئاً واحداً تحملته لأجل بيتك (تحملت زحمة الطريق، تحملت كلمة سخيفة من مديري ولم أرد لأجل أولادي). هذا التحمل بطولة وليس ضعفاً.
لأصحاب الأحلام: اكتب كل يوم سطراً واحداً اقتربت به من حلمك، سطر واحد فقط. النجاح ليس أن تصل بسرعة، بل أن لا تتوقف.
وتعلموا جميعاً كلمة واحدة: “شكراً”. عندما يقول لك أحد “تسلم إيدك” قل “شكراً”. عندما يقول لك أحد “برافو” قل “شكراً”. لا تقللوا من أنفسكم.
خاتمة ويقين:
في النهاية، الفاشل الحقيقي هو من لا يحاول. أما أنت الذي تحاول وتتعب وتشعر بالتقصير، فأنت ناجح، وضميرك حي، وهذا هو سر نجاحك.






المزيد
انتصاراتٌ تُصفّق لها الأنا، وتبكي لها الإنسانية
ألم بلا دعوة.. ما الذي يؤلمك وأنت لا تدري؟
أنت لا تعيش حياتك.. أنت تعيش ما اختاروه لك