مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنت لا تعيش حياتك.. أنت تعيش ما اختاروه لك

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

(أخصائي نفسي)

هل شعرت يوماً أن حياتك لا تشبهك؟ أن البيت الذي تسكنه، والعمل الذي تعمل به، وحتى طريقة كلامك، ليست اختياراتك أنت؟

إن كان هذا الشعور يزورك كثيراً، فهذا المقال كُتب لك أنت.

كلنا نحب آباءنا، ونعلم أنهم أرادوا لنا الخير، لكن هناك فرق كبير بين الحب والتحكم. كثير من الآباء، بدافع الخوف الزائد، لم يتركوا لأبنائهم فرصة الاختيار؛ كانوا يختارون عنهم كل شيء: ماذا يلبسون، ماذا يأكلون، من يصادقون، ماذا يدرسون، ومن يتزوجون.

كانت جملتهم المشهورة: “أنا أعرف مصلحتك أكثر منك”.

وفي تلك اللحظة، دون أن يشعروا، كانوا يسلبون من الابن أخطر شيء: قدرته على اتخاذ القرار.

ماذا يحدث للطفل الذي لا يُسمح له أن يختار؟

الطفل الذي يكبر وكل قراراته تُتخذ عنه، يكبر جسده فقط، أما قراره فيظل طفلاً صغيراً خائفاً.

يتعلم هذا الطفل ثلاث حقائق خطيرة:

1. أن رأيه لا قيمة له: فمهما قال، سيتم تجاهله فيصمت. ومع الوقت، يصدق فعلاً أن رأيه تافه.

2. أن الخطأ كارثة: لأن الأب المتحكم لا يسمح بالخطأ، فيكبر الابن وهو يخاف من أي تجربة جديدة… يخاف أن يفشل، فيفضل ألا يحاول من الأساس.

3. أنه لا يستطيع الاعتماد على نفسه: لأنه لم يُعطَ الفرصة ليجرب ويتعلم، فيصبح دائم البحث عن شخص آخر يخبره ماذا يفعل.

هذا الطفل، عندما يصبح شاباً في الجامعة، لا يعرف أي كلية يحب. وعندما يُعرض عليه عمل، لا يعرف هل يقبله أم لا. وعندما يحب فتاة، يخاف أن يأخذ خطوة الزواج لأنه لم يعتد أن يقرر مصيره.

هو ليس ضعيف الشخصية كما يظن الناس؛ هو فقط شخص لم يُدرب أبداً على اتخاذ القرار… عضلة القرار عنده ضعيفة لأنها لم تُستخدم.

والآن.. كبرت، فماذا حدث؟

أصبح عمرك ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة، لكنك ما زلت تسمع صوت أبيك في داخلك:

 قبل أن تشتري شيئاً، تفكر: ماذا سيقول أبي؟

 قبل أن تغير عملك، تخاف: هل سيغضب مني؟

 حتى وأنت وحدك، تستأذنهم في عقلك!

لقد كبر الجسد، وبقي القرار طفلاً يخاف.

والأصعب من ذلك، أنك تعبت… تعبت من كونك نسخة من رغبات الآخرين. تشعر بغضب داخلي لا تفهم مصدره، وتشعر أنك ضحيت كثيراً، وأطعت كثيراً، لكن لا أحد قدر ذلك، بل أصبحت مطالباً بالمزيد من الطاعة.

هذا التعب الذي تشعر به هو طبيعي؛ هو نتيجة عمر كامل من قول كلمة “حاضر” وأنت بداخلك تريد أن تقول “لا”.

الدوامة الأخطر.. حين تصبح أنت الأب المتحكم

وهنا تأتي المأساة الحقيقية التي لا ينتبه لها أحد.

الابن الذي تم التحكم فيه طوال حياته، عندما يتزوج وينجب أطفالاً، يفعل نفس الشيء مع أبنائه دون أن يشعر! لماذا؟

 لأنه لا يعرف طريقة أخرى للتربية، فهو لم يرَ إلا التحكم، فيظن أن التربية هي تحكم.

 ولأنه يريد أن يشعر أخيراً أنه صاحب سلطة؛ فبعد عمر من الخضوع، يجد في ابنه الصغير فرصة ليمارس السيطرة التي مورست عليه، ويقول في نفسه دون وعي: “أنا أيضاً من حقي أن أقرر”.

فيصرخ في ابنه: “اسمع الكلام دون نقاش!”، ويختار له ملابسه وألعابه وأصدقاءه، ويكرر نفس الجملة التي كانت تؤلمه: “أنا أعرف مصلحتك أكثر منك”.

وهكذا تنتقل الدوامة؛ من الجد إلى الأب، ومن الأب إلى الحفيد… وجعٌ يورث وجعاً.

كيف نكسر هذه الدوامة؟

كسر الدوامة لا يعني أن نكون عاقين لآبائنا، حاشا لله؛ آباؤنا أحبونا بطريقتهم، لكن طريقتهم كانت خاطئة.

كسر الدوامة يبدأ بقرار شجاع منك أنت الآن:

1. سامح أباك، لكن لا تكرر فعله: قل لنفسك: “أبي فعل ما ظن أنه صواب لأنه خاف علي، لكن الخوف الزائد كسرني، وأنا لن أخاف على ابني بنفس الطريقة”.

2. درب نفسك على القرارات الصغيرة: ابدأ من اليوم؛ اختر أنت ماذا ستأكل، ماذا ستلبس، وأين ستذهب، ولا تسأل أحداً. تحمل نتيجة اختيارك، حتى لو كانت خاطئة… فالخطأ يعلمك، أما الاعتماد على غيرك فيقتلك.

3. مع أبنائك، استبدل الأمر بالسؤال: بدلاً من أن تقول: “البس هذا”, قل: “ما رأيك أن تختار بين هذين القميصين؟”. وبدلاً من أن تقول: “صاحب فلان”, قل: “لماذا تحب أن تلعب مع فلان؟”. اعطهم مساحة آمنة ليختاروا ويخطئوا.

تذكر دائماً: هدف التربية ليس أن يكون ابنك مطيعاً لك اليوم، بل أن يكون قادراً على العيش بدونك غداً.

خاتمة وسؤال الحقيقة:

في النهاية، اسأل نفسك بصدق: كم قراراً في حياتك كان قرارك أنت فعلاً؟

إن كانت الإجابة قليلة، فلا بأس، ما زالت هناك فرصة… فرصة أن تعيش ما تبقى من عمرك لك لا لغيرك، وفرصة ألا تورث هذا الوجع لابنك.

اقطع الدوامة الآن.