مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ألم بلا دعوة.. ما الذي يؤلمك وأنت لا تدري؟

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

(أخصائي نفسي)

هل شعرت يومًا بثقل في صدرك دون سبب واضح؟

تستيقظ وأنت متعب، رغم أنك نمت جيدًا. تضحك مع من حولك، لكن بداخلك شيء منطفئ. لا أحد آذاك بالأمس، ولا مصيبة كبيرة حدثت، ومع ذلك هناك وجع يسكنك… وجع بلا اسم.

هذا هو “الألم بلا دعوة”؛ الألم الذي لم نتفق عليه، ولم ندعُه، لكنه جاء وجلس.

نحن تعودنا أن للألم سببًا واضحًا: من يخسر عمله يحزن، ومن يمرض يتألم، ومن يفارق حبيبه يبكي. هذه آلام مفهومة نعرف سببها فنعرف كيف نتعامل معها. لكن هناك نوع آخر من الألم هو الأكثر انتشارًا والأكثر إرهاقًا: أن تتألم وأنت لا تعرف لماذا.

قد يكون هذا الألم على شكل قلق مستمر دون أن تعرف ممن، أو على شكل ملل من كل شيء حتى الأشياء التي كانت تسعدك، أو على شكل غضب سريع من أتفه الأسباب يجعلك تسأل نفسك: لماذا فعلت ذلك؟

في الحقيقة، هذا الألم ليس بلا سبب، بل هو بلا سبب واضح لك، بل هو نتيجة تراكمات صغيرة لم ننتبه لها.

تراكمات صامتة تصنع الوجع

1. الكلام الذي لم نقله: كم مرة سكتّ وأنت تريد أن تقول “لا”؟ كم مرة قلت “أنا بخير” وأنت لست بخير؟ كل كلمة حبسناها في داخلنا تتحول مع الوقت إلى ثقل؛ فالجسد لا ينسى ما يحاول العقل تجاهله.

2. المقارنة المستمرة: تفتح هاتفك فترى الجميع سعداء وناجحين ومسافرين، فتشعر دون أن تدري أنك متأخر. أنت لم تفشل، لكنك تقارن بدايتك بمنتصف طريق الآخرين، وهذه المقارنة تخلق ألمًا صامتًا اسمه “أنا لست كافيًا”.

3. التعب الذي لم نرتاح منه: نحن نعيش في زمن يجعلنا نشعر بالذنب إذا استرحنا؛ يجب أن نعمل أكثر، ننجز أكثر، ونتواجد طوال الوقت، فتتعب أرواحنا قبل أجسادنا، ويظهر هذا التعب الروحي في شكل ألم لا نفهمه.

فما الذي يؤلمك وأنت لا تدري؟

 الذي يؤلمك قد يكون أنك تحملت أكثر من طاقتك لفترة طويلة واعتقدت أن هذا طبيعي.

 والذي يؤلمك قد يكون أنك انتظرت اعتذارًا لم يأتِ، أو تقديرًا لم تحصل عليه.

 وقد يكون أنك كبرت وتغيرت، لكنك لا زلت تحاول أن تعيش بنفس الطريقة القديمة التي لم تعد تناسبك.

نحن نتألم لأننا نبحث عن ألم كبير له اسم كبير، بينما الحقيقة أن معظم آلامنا تأتي من أشياء صغيرة تكررت كثيرًا حتى أصبحت جبلًا.

كيف نتعامل مع هذا الضيف الثقيل؟

1. لا تطرده بالقوة؛ بل اعترف به: أول خطوة هي أن تقول لنفسك: “نعم، أنا متألم الآن، حتى لو لم أعرف السبب”. مجرد الاعتراف يخفف نصف الوجع. نحن تعلمنا أن ننكر الألم حتى لا نبدو ضعفاء، لكن الإنكار يغذيه.

2. اسأل نفسك بصدق وبهدوء: بعيدًا عن ضوضاء الناس، اسأل: متى بدأ هذا الشعور؟ ماذا حدث قبل أن أشعر به؟ ماذا أحتاج الآن حقًا؟ هل أحتاج للراحة؟ للبكاء؟ أم أن أقول لا لشخص ما؟

3. أفرغ حمولتك: اكتب. الكتابة علاج مجاني؛ اكتب كل ما يزعجك دون ترتيب ودون تجميل. وتحدث مع شخص تثق به ليس ليحل مشكلتك، بل ليسمعك فقط… فأحيانًا نحن لا نحتاج إلى حل، بل نحتاج إلى من يقول لنا: “أنا أفهم أنك تتألم”.

خاتمة ويقين:

تذكر دائمًا، أن تشعر بألم لا تفهمه لا يعني أنك ضعيف أو غريب، بل يعني أنك إنسان؛ إنسان حساس، عاش كثيرًا، وكتم كثيرًا، وتحمل كثيرًا، وقد حان الوقت ليستمع لنفسه.

هذا الألم الذي جاء بلا دعوة، جاء ليخبرك برسالة تقول: توقف قليلاً، انتبه لنفسك، هناك شيء في داخلك يحتاج إلى عناية.

فاستمع له.