مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

انتصاراتٌ تُصفّق لها الأنا، وتبكي لها الإنسانية

بقلم: عبدالله شاهين

هُنا لحظةٌ يعرفها كلُّ من خاض جدالًا محتدمًا: تلك اللحظة التي يدرك فيها أنه يملك في يده السهم القاضي؛ لا حجةً ولا برهانًا، بل سرًّا ائتمنه عليه صاحبه ذات صفاء، أو عيبًا انكشف له في غفلة، أو زلّةً قديمة طواها صاحبها في صدره وظنّ أن الأيام قد دفنتها.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، لا في ساحة الجدل ولا في صخب الحجج، يُمتحَن معدنُ الإنسان.

اختبار الأمانة في ذروة الخصومة

الأنا كائنٌ جائع، وطعامه التصفيق؛ لا يشبعه أن يكون على حقٍّ ما لم يرَ خصمه مطأطئ الرأس، ولا يرتوي بالإقناع ما لم يقترن بالإذلال. فإذا لاحت له فرصة الإجهاز، همس في أذن صاحبه: “قُلها، فقد استحققتها، وإنما هو الذي بدأ”.

وما يدري أنّ النصر الذي يُشترى بفضيحة هو أغلى الهزائم ثمنًا!

ولهذا فإن من الواجب أن نتوقف عند هذه اللحظة وقفة وعي، وأن ندرك أن الخلاف في الرأي لا يبيح انتهاك الحرمات، وأن الحق الذي لا يستقيم إلا بخيانة الأمانة ليس حقًّا يستحق الدفاع، بل غنيمة ملطخة.

والسرّ وديعة، والوديعة لا يبطل حكمها لأن بين المودِع والمودَع خلافًا؛ بل إنّ الخصومة هي الاختبار الحقيقي للأمانة؛ إذ ما أيسرَ أن نحفظ أسرار من نحب، وما أعسر أن نحفظ أسرار من اختلفنا معهم!

فمن صان سر خصمه في ذروة غضبه، فقد أثبت أن أمانته خُلُق أصيل فيه، لا مجاملةً تُرتَجَع عند أول خلاف. وكم من الناس من يظن أن العيوب التي عرفها عن غيره سلاح مشروع متى احتدم الصراع، وما هي إلا عورات أُطلعت عليها بحكم القرب، والقربُ مسؤولية لا امتياز.

وليعلم كلُّ من اعتاد تعيير الناس بزلّاتهم أن هذا السلوك ليس شجاعة ولا صراحة، بل هو إيذاءٌ نفسي يترك أثره في القلوب زمنًا طويلًا، وقد يُفقد صاحبه ثقة الناس به إلى الأبد؛ فمن رأى أنك فضحت خصمك اليوم، أيقن أنك ستفضحهُ غدًا.

بلاغة الصمت وشرف الاختيار

وقد قالت الحكمة القديمة: ليس كل ما يُعرف يُقال، ولا كل ما يُقال حان وقته، ولا كل ما حان وقته يليق بأهله. وفي هذا الميزان الثلاثي تكمن بلاغة الصمت؛ فالصمت هنا ليس عجزًا عن القول، بل قدرةٌ على تقدير ما يستحق أن يُقال وما يستحق أن يُصان.

وكذلك ليس كل ما نستطيع فعله يليق بنا؛ فالقدرة أوسع من اللياقة، والمرء قد يملك من أدوات الإيلام ما لا يُحصى، لكن شرفه في ما يختار ألّا يستعمله. وما أكثر الأقوياء الذين خسروا هيبتهم في اللحظة التي أرادوا فيها إثبات قوتهم!

ومن الكلمات ما هو كالسيف؛ يحسم الموقف في لحظة، ويخلّف في الجسد جرحًا لا يندمل. وبعض العبارات وإن أسكتت الخصم وأرضت الحاضرين، تترك في الروح ندبةً لا يمحوها اعتذار، لأن الاعتذار يُصلح الموقف ولا يردّ ما انكسر في القلب.

فالكلمة الجارحة كالسهم: إذا انطلقت لم تعد إليك، وإذا أصابت لم يُعِد الندمُ إلى المصاب طمأنينته.

وهنا يتبيّن أن بعض الانتصارات لا تليق بنا مهما كانت أحقيّتنا بها؛ فاستحقاق النصر شيء، وشرف نيله شيء آخر. وقد يكون الإنسان محقًّا في دعواه، مبطلًا في وسيلته، فيذهب حقّه بما سلك إليه من طريق.

وعلينا أن نربّي أنفسنا وأبناءنا على أنّ أدب الإختلاف جزءٌ من الدين والمروءة معًا، وأن من تعلّم أن يختلف دون أن يجرح، فقد بلغ من النضج مبلغًا لا تبلغه الحجج وحدها.

ميزان الذات والسمو الحقيقي

ولست أرى الربح والخسارة بميزان الجدال، بل بميزان الذات؛ فمن ربح نقاشًا وخسر نفسه، كان كمن باع جوهرةً ليشتري حجرًا لامعًا.

وكرامة الإنسان ليست ملكًا لنا نتصرف فيها بحسب مقتضيات الخلاف؛ إنها حق أصيل لا يسقط بالخطأ ولا بالخصومة، فمن أهان خصمه في كرامته، فقد أهان الإنسانية فيه، وهي نفسها الإنسانية التي فيه هو.

وهنا مكمن المفارقة التي تقلب موازين القوة: أن كرامتي ليست في قدرتي على إيذاء الآخرين، بل في قدرتي على ألا أفعل، حين أكون قادرًا.

فالعفة عن الإيذاء مع القدرة عليه هي القوة الحقيقية، أما من لا يملك إلا أن يجرح، فليس قويًّا بل أسير غضبه. وسأخسر ألف نقاشٍ ولا أخسر إنسانيتي في لحظة غضب؛ فالنقاش جولة تُنسى، والإنسانية رأس مال العمر، وما يذكره الناس عنا في النهاية ليس عدد الجدالات التي كسبناها، بل كيف عاملناهم حين كنّا قادرين على كسرهم.

خاتمة وعهد:

فليكن لنا من الحلم زادٌ في ساعة الغضب، ومن الأمانة سياجٌ حول ما اؤتمنّا عليه، ومن الرحمة ميزانٌ نزن به انتصاراتنا.

وليكن شعارنا في كل خلاف: أن نقول الحقّ بأدب، وأن نصون السرّ بأمانة، وأن نترك للآخر كرامته مهما اشتد الجدال.

فإنّ الإنتصارات التي تُصفق لها الأنا تذهب مع الهواء، أما التي تحفظ للآخر كرامته وللنفس نقاءها، فتلك التي تبقى، وتبكي لها الإنسانية فرحًا لا حزنًا.