مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الخبز الحافي – قراءة بقلم: مريم الرفاعي

الخبز الحافي – قراءة

بقلم : مريم الرفاعي

 

تستحق أن تُقرأ، نظراً للعمق الفلسفي الذي تحمله.

 

أجل، لعبة الزمن هي الكفيلة بأن تخلق من الخبز النتن والمتحلل إنساناً يعرف معنى كلمة “خبز”. القيمة ليست في الحياة، وإنما أن تجرّب الموت قبل الحياة. أن تُقتل الطفولة في عيني طفل، هذا هو معنى أن تتحلل معاني الإنسان قبل أن تنضج.

 

الرواية لم تُكتب للعبث أو للغرائز، بل كُتبت لأن الحضيض يعيش في مكان ما.

كيف لجوع أن يلتهم أحشاء طفل؟ وكيف لدجاجة ميتة أن توقظ أملاً في حياة ميت؟ كيف له أن يسقط ويُدفن حيث سقط؟ كيف لجوعك يا محمد أن يلتهم أحاسيسنا بهذه الطريقة؟

 

لقد مات الطفل قبل أن يقول “أمي”. لقد قتلوا طفولته وإحساسه بالأمان. لكنه لم يقتل أخاه فقط، بل هدم الجدار الذي يحتمي به كل طفل في العالم. ومات المريض قبل أن يكمل رحلة مرضه، أو حتى رحلة شقائه.

 

حقائق عارية تماماً تجعلنا نقف أمام أنفسنا لنسأل: من نحن حتى لا نرى العالم مثلما يراه محمد شكري؟

 

لقد شرحها على بلاط بارد، وعلى مقابر ومزابل عاش فيها فعلاً. “أن يفقد الإنسان كرامة ما خُلق به، هذا هو الموت حياً”.

 

هل تكتب بحبر أم تكتب بالدماء؟ كيف لك أن تخاطب قروناً وأجيالاً قبل أن تكون تراباً على سطح الأرض؟

 

تألمتُ للقبور المنسية التي تعيش بيننا ولا نراها. هذا إدراك من كبر سريعاً، يقتات ليعيش. هذه مفارقة: ماذا يعيش على ماذا يموت؟ كلمة لا يقولها إلا كهل أكلته عواصف الحياة وأصبح منسياً.

 

موت الأب في الذاكرة هو تلخيص لموت الحماية، لموت السند. وكأنه يقول: الأفضل أن أبقى وحيداً على أن تحيط بي حماية عارية من الإنسان.

 

فلسفة الجسد كسلعة؟ لا، هذه ليست فلسفة. الجوع قد يصنع منك حيواناً بعيون مغمضة.

 

وأي جوع؟ هل جوع البطن أم جوع العاطفة؟ فكيف إن اجتمعا في جسد إنسان، فعذراً ماسلو، أول شيء هو الأمان، هو الإنسان وليست الحياة…

 

وحتى لو مات، لن تقبله الأرض. سيتعفن إن لم يدفنه أحد. ولكنه قاوم.

تموت الكرامة والطفولة والأحلام على كف الجوع والفقر، ويبقى الجسد فقط، فقط، فقط. كما قال: تقيأت وتقيأت وتقيأت.

 

والسماء عارية أكثر من الأرض.

 

نعم نحن نختبئ في الأرض، ولكن عندما لا يكون لك أرض تأوي إليها أو سماء أو وطن أو أهل ينادونك ويبحثون عنك، فعلاً تكون عارياً من كل شيء…

 

فهمت لماذا المقبرة فقط… لأن العالم أصبح قديماً ميتاً، والناس ما هي إلا مومياءات متحركة فقط.

 

وماهية الجوع وغياب الإنسانية التي تصنع من الإنسان شيئاً بلا معنى، لا تعليم لا توجيه لا أمان، فقط مشاهد دموية مقرفة، لإشباع نقص لا يعوض مهما حاول أن يعوضه.

 

ليبقى… لقد كسر الواقع وعيه وأصبح لا يعي أي معنى في هذه الحياة حتى العنف أصبح شيئاً لا يستحق أن يلتفت نحوه.

 

ولكنه قرر أن يتعلم فقط ليرينا الأشياء التي قد تجعل منك لا شيء ولكنه انتصر انتصاراً حزيناً حين شرح نفسه كأجزاء للموت لكي نعرف قيمة أن تحيا بأقل ما هو موجود وهو الخبز الحافي ونحن في مأمن وفي أصوات تنادينا وعائلة تحتوينا.

 

لقد علمنا كيف يكون الحضيض جسداً وكيف تكون المقبرة مأوى

وكيف تكون السماء عارية…..

 

الإدراك بأنك إنسان، تحترم وتقدر وتحب بلا شروط، هذه نعمة لا يعرفها إلا من جُرد من حقوق البشر، كأن يُذبح الناس كالنعاج بلا مبرر غير أنهم أرادوا أن يعيشوا.

 

المحظوظون فقط من يعيشون على خبز حافي ولكن بكرامة