مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الشهادة التي تغيّرت بقلم هاني الميهي

الفصل الثاني
الكاتب: هاني الميهي

الشهادة التي تغيّرت
لم تكن أمي تنسى الأشياء بسهولة، أو هكذا كنت أعتقد. كانت تتذكر أسماء المدرسين الذين درسوا لي في المرحلة الابتدائية، وتعرف أي جارة استعارت منها طبقًا ولم تُعِده، وتستطيع أن تستخرج من ذاكرتها تفاصيل مشاجرة وقعت في بيت العائلة قبل عشرين عامًا، بما في ذلك لون الفستان الذي كانت ترتديه خالتي يومها، والجملة التي قالتها جدتي قبل أن تغادر الغرفة. كنت أتعجب من قدرتها على الاحتفاظ بكل هذا، حتى إنني كنت أمزح معها أحيانًا وأقول إن ذاكرتها تصلح لأن تكون أرشيفًا للعائلة، فتضحك وتجيبني بأن الناس ينسون لأنهم لا ينتبهون، أما هي فلا تسمح للتفاصيل أن تضيع.

لم أكن أعرف وقتها أن أكثر ما يثير الدهشة في الذاكرة ليس ما تحتفظ به، بل ما يحدث للتفاصيل أثناء احتفاظها بها.

بدأ الأمر في مساء عادي، حين اتصلت بي خالتي تطلب مني البحث عن صورة قديمة لوالدي، كان قد التُقطت في حفل زفاف أحد الأقارب. أرادت الصورة من أجل ألبوم تعدّه لابنها الذي قرر أن يجمع صور العائلة قبل أن تتفرق الأوراق القديمة بين البيوت. فتحت الصندوق الخشبي الموجود أعلى خزانة أمي، وأخرجت منه ألبومات متآكلة الأطراف، وصورًا بلا أسماء، وأخرى كُتبت خلفها تواريخ بخطوط مختلفة. كنت أقلب الصفحات بسرعة، إلى أن وجدت صورة لأبي واقفًا بجوار رجل لم أستطع التعرف إليه.

ناديت أمي، فجاءت وجلست بجانبي. لم تحتج إلى أكثر من نظرة واحدة حتى قالت إن الرجل هو عمي فؤاد، وإن الصورة التُقطت في زفاف خالتي نادية، وإن أبي كان يومها غاضبًا لأن أحد أقاربهما تأخر عن الحفل. سألتها كيف تذكرت كل ذلك، فأجابت بأن تلك الليلة كانت من الليالي التي لا تُنسى.

ثم أضافت، من تلقاء نفسها، أن عمي فؤاد كان قد تشاجر مع أبي قبل الزفاف بأيام، وأنه حضر الحفل رغم الخلاف، لكنه لم يقترب منه طوال الليل. قالت ذلك بنبرة من يعرف تفاصيل المشهد كما لو كان لا يزال يراه أمامه.

أرسلت الصورة إلى خالتي، وبعد دقائق اتصلت بي. أخبرتها بما قالته أمي، فضحكت وقالت إن الرجل في الصورة ليس عمي فؤاد أصلًا، بل جار قديم للعائلة كان يعمل مع أبي. أما الزفاف، فلم يكن زفافها، وإنما حفل زفاف ابنة خال أبي. قالت إنها تتذكر المناسبة جيدًا لأنها كانت طفلة يومها، وإن أمي لم تكن حاضرة من الأساس.

عدت إلى أمي بالصورة والهاتف في يدي. لم تتردد. قالت إن خالتي تختلط عليها الأمور، وإنها هي التي كانت موجودة، وإنها تتذكر حتى أنها ارتدت فستانًا أزرق في ذلك المساء. حاولت أن أشرح لها أن الصورة لا تثبت شيئًا سوى هوية الأشخاص الذين يظهرون فيها، لكنها لم تكن مستعدة للتراجع. لم يكن الأمر بالنسبة إليها مجرد تاريخ أخطأت فيه، بل ذكرى كاملة كانت متأكدة منها.

لم أُرد إحراجها، فتركت الموضوع وانشغلت بترتيب الصور. لكنني لاحظت أنني لم أعد أنظر إلى الألبوم بالطريقة نفسها. كنت أظن أن الصور تحفظ الماضي، وأن الذاكرة تستدعيه، وأن الإنسان يستطيع، إذا كان صادقًا بما يكفي، أن يخبرنا بما وقع. فجأة صار الماضي أقل ثباتًا مما تخيلت، وصرت أتساءل إن كانت هناك أحداث أخرى نرويها في العائلة بثقة كاملة، بينما تختلف تفاصيلها من شخص إلى آخر.

بعد يومين، اجتمعنا في بيت خالتي. أحضرت معها ألبومًا قديمًا وجدته في خزانة والدتها، وبدأنا نقارن الصور. ظهر الرجل نفسه في صورة أخرى، هذه المرة بجوار أبي، وتحتها تاريخ مكتوب بقلم أزرق. لم يكن التاريخ مطابقًا لما ذكرته أمي، ولم تكن المناسبة هي الزفاف الذي قالت عنه. كان الرجل فعلًا جارًا قديمًا، وكان الحفل أقيم في منزل آخر، في سنة تسبق السنة التي حددتها أمي بعامين.

لم أكن أريد تحويل الأمر إلى محاكمة لذاكرتها، لكنني سألت خالتي عن الخلاف الذي تحدثت عنه أمي. هزت رأسها وقالت إنها لا تتذكر خلافًا بين أبي وعمي فؤاد في تلك الفترة، وإنهما كانا على علاقة جيدة آنذاك. ثم تذكرت شيئًا آخر: أن أبي وعمي اختلفا بالفعل، لكن بعد ذلك بسنوات، في مناسبة مختلفة تمامًا، وأن العائلة ظلت تتحدث عن ذلك الخلاف طويلًا.

في تلك اللحظة، بدا لي أن أجزاء من أحداث مختلفة قد اجتمعت في ذاكرة أمي لتصنع حكاية واحدة. صورة من مناسبة، وخلاف من زمن آخر، وملابس ربما ارتدتها في ليلة مختلفة. لم يكن هذا يعني أنها اختلقت كل شيء عمدًا، ولا أن ذاكرتها لم تعد تصلح للاعتماد عليها في أي أمر. لكنه جعلني أرى أن الثقة التي يتحدث بها الإنسان عن ذكرى ما لا تكفي وحدها لإثبات أن تفاصيلها وقعت بالطريقة التي يرويها.

في طريق عودتي، تذكرت واقعة كنت أرويها عن نفسي كلما سألني أحد عن سبب اختياري مجال عملي. كنت أقول إنني منذ صغري كنت أحب التنظيم، وإنني كنت أرتب دفاتري وأغراضي، وأقسم وقتي بين الدراسة واللعب، حتى إن أبي كان يصفني بأنني أكثر أطفال البيت ترتيبًا. كنت أروي القصة بفخر هادئ، وكأنها دليل على أنني كنت أعرف طريقي منذ البداية.

لكنني، حين عدت إلى البيت وفتحت صندوقًا قديمًا يضم بعض أوراقي المدرسية، وجدت دفترًا مليئًا بملاحظات المعلمين عن نسيان الواجبات، وعدم ترتيب الكراسات، وترك الأدوات في أماكن مختلفة. لم تكن هذه الملاحظات دليلًا على أنني كنت فوضوية في كل شيء، لكنها لم تتفق مع الصورة التي كنت أرويها عن طفولتي.

جلست أمام الدفتر وقتًا أطول مما توقعت. حاولت أن أستعيد المشاهد التي كنت أستحضرها حين أحكي قصتي، فاكتشفت أنني لا أتذكر مواقف كثيرة بقدر ما أتذكر الصورة العامة التي تكونت لدي عن نفسي. كنت أحتفظ بأيام نجحت فيها في تنظيم شيء مهم، وأستدعيها كلما احتجت إلى تفسير اختياري المهني، بينما تراجعت إلى الخلف تفاصيل أخرى لا تخدم الحكاية التي أحببت أن أصدقها.

لم تكن ذاكرتي قد محَت كل ما يناقض صورتي عن نفسي؛ كانت بعض الأدلة موجودة أمامي في الدفتر، لكنني لم أكن أستحضرها حين أروي الماضي. هناك فرق بين أن تنسى تفصيلًا، وأن تتذكره في سياق يجعله أقل أهمية، وأن تعيد ترتيب الوقائع حتى تبدو حياتك وكأنها كانت تسير نحو نتيجة تعرفها الآن. وربما لا يفعل الإنسان ذلك بقصد الخداع، بل لأن الحاضر يؤثر في الطريقة التي يقرأ بها ماضيه.

قررت أن أسأل أبي عن طفولتي، لا لأثبت أنني كنت منظمة أو فوضوية، بل لأعرف كيف يتذكرها شخص آخر. ابتسم حين سألته، وقال إنني كنت أرتب الأشياء التي أحبها بعناية، لكنني كنت أترك بقية الأشياء مبعثرة، وإنني كنت أستطيع قضاء ساعة في ترتيب مكتبي ثم أنسى حقيبتي في مكان لا أعرفه. ضحكت، لأن وصفه بدا أقرب إلى ما وجدته في الدفتر، وأقرب أيضًا إلى ما أعرفه عن نفسي الآن.

سألته إن كان يتذكر أنه وصفني يومًا بأنني أكثر أطفال البيت ترتيبًا، فقال إنه ربما قال ذلك في موقف معين، حين رتبت ألعابي قبل زيارة أحد الأقارب. لم يستطع الجزم، ولم أحاول أن أضغط عليه كي يتذكر. لأول مرة، لم أكن بحاجة إلى أن أحصل على رواية نهائية لطفولتي. صار يكفيني أن أعرف أن الإنسان يمكن أن يكون منظمًا في جانب، ومهمِلًا في جانب آخر، وأن ذاكرة موقف واحد قد تتحول، مع تكرار الحكاية، إلى صفة عامة نلصقها بأنفسنا.

بدأت ألاحظ الأمر في أحاديث الناس. كانت صديقة تحكي عن زميلتها القديمة وتقول إنها لم تكن تحبها منذ اليوم الأول، ثم تروي موقفًا واحدًا جعلها تشعر بالإهانة، قبل أن تكتشف أنها لا تتذكر بدقة ما قيل في ذلك اليوم. وكان رجل في العائلة يؤكد أنه رفض عرضًا مهمًا لأنه لم يثق بصاحبه، ثم يتذكر بعد دقائق أنه كان قد رفضه لأسباب مالية. لم أعد أتعامل مع هذه الاختلافات باعتبارها دليلًا على أن الناس يكذبون. أحيانًا يكذب الإنسان، بالطبع، لكن اختلاف الذاكرة لا يعني الكذب بالضرورة؛ فقد يكون الشخص صادقًا في وصف ما يشعر به الآن، وغير دقيق في استعادة كل ما وقع في الماضي.

ومع ذلك، لم أرد أن أذهب إلى الطرف الآخر، فأشك في كل ذكرى وأتعامل مع الماضي كما لو أنه شيء لا يمكن معرفته. فالذاكرة ليست عديمة القيمة، ولا تعني قابليتها للخطأ أن كل رواية متساوية في صحتها. الصور، والرسائل، والتواريخ، وشهادات الآخرين، كلها قد تساعدنا على مراجعة ما نتذكره، لكنها لا تجعلنا نملك الماضي كاملًا. بعض التفاصيل يمكن التحقق منها، وبعضها يبقى غير محسوم، وبعض الأحداث لا نحتاج إلى حسمها أصلًا كي نفهم أثرها فينا.

بعد أسابيع، عادت خالتي إلى البيت ومعها الألبوم الذي كانت تجمعه. وضعت صورة أبي على الطاولة، وكتبت تحتها اسم الرجل الصحيح وتاريخ المناسبة. مررت أمي بجانبها، توقفت، ثم قالت إنها كانت تظن أن الصورة من ليلة أخرى. لم تبدُ محرجة كما توقعت، ولم تحاول الدفاع عن روايتها القديمة. قلبت الصورة بين يديها وقالت إنها تتذكر الآن أن فستانها الأزرق كان في حفل آخر، وإنها ربما جمعت بين الليلتين لأنهما كانتا متقاربتين.

لم تكن هذه الجملة اعترافًا كبيرًا، لكنها كانت كافية لتجعلني أفهم شيئًا عن الثقة في الذاكرة. أمي لم تفقد قدرتها على التذكر، ولم تتحول إلى شخص لا يعرف ما حدث له. كانت فقط قد أعادت تركيب تفاصيل من مناسبتين، ثم عاشت سنوات وهي تستعيد الصورة المركبة باعتبارها ذكرى واحدة. وحين ظهرت معلومات جديدة، استطاعت أن تراجعها.

تساءلت يومها عن عدد الحكايات التي نرويها في بيوتنا، وتنتقل من جيل إلى آخر، حتى تصبح جزءًا من تاريخ العائلة. ربما كانت بعض الحكايات دقيقة، وربما تغيّرت أخرى في تفاصيلها، وربما احتفظ كل شخص بنسخة تختلف قليلًا عن نسخة الآخر. ومع الوقت، لا تنتقل الأحداث وحدها، بل تنتقل أيضًا التفسيرات التي أُلصقت بها، والأحكام التي بُنيت عليها، والمشاعر التي جعلت بعض التفاصيل أكثر بقاءً من غيرها.

لم أعد أسأل أمي عن ذكرياتها كي أختبرها، ولم أعد أروي طفولتي بالطريقة نفسها التي كنت أرويها بها من قبل. صرت أترك في الحكاية مساحة لما لا أتذكره، وأميز بين ما أعرفه من دليل، وما أستعيده من إحساس، وما أضيفه من فهمي الحالي. لم يجعلني ذلك أقل تعلقًا بالماضي، بل جعلني أقل خوفًا من مراجعته.

فالماضي ليس صفحة نفتحها فنجد الكلمات في أماكنها، ولا تسجيلًا كاملًا يمكن تشغيله كلما أردنا. نحن نستعيده من أجزاء، ونمنحه معنى من موقعنا الحالي، وقد نكتشف بعد سنوات أن ما بدا لنا واضحًا كان أكثر تعقيدًا مما ظننا. وأحيانًا لا تكون المشكلة في أننا نسينا ما حدث، بل في أننا نسينا أن ما نتذكره هو استعادة لما حدث، لا الحدث نفسه.

في تلك الليلة، وضعت الدفتر القديم في الصندوق، وأغلقت الغطاء. لم أعد أريد أن أثبت أنني كنت طفلة منظمة أو غير منظمة. كنت أريد فقط أن أترك لنفسي حق أن أكون أكثر من حكاية واحدة عن الماضي. فربما لا نحتاج إلى ذاكرة لا تخطئ، بقدر ما نحتاج إلى شجاعة تسمح لنا بأن نراجع ما نعتقد أننا نعرفه.

رسالة الفصل

قد نتذكر بصدق، ومع ذلك نخطئ في بعض التفاصيل. فالذاكرة لا تستعيد الماضي دائمًا كما وقع؛ إنها تعيد بناءه من شذرات وتجارب ومعلومات لاحقة. لهذا، لا يكفي أن نقول «أنا أتذكر جيدًا» كي نحسم كل شيء، كما لا ينبغي أن نعامل كل اختلاف في التذكر باعتباره كذبًا. الدقة تبدأ حين نترك مساحة للمراجعة، ونفرّق بين ما نعرفه، وما نظنه، وما أصبحنا نؤمن به بعد سنوات.

تمهيد الفصل القادم

في الحكاية القادمة، سأكون في مكان مزدحم، حيث يحدث شيء واضح أمام عدد من الناس، ومع ذلك لن يلاحظه الجميع. يومها سأكتشف أن وجودنا أمام المشهد لا يعني بالضرورة أننا رأيناه، وأن العقل قد يكون حاضرًا بعينيه، بينما انتباهه في مكان آخر.