حوار: ولاء خلف
في عالم الأدب، وحرصًا من مجلتنا على تسليط الضوء على المواهب الشابة، نجد هنا، من قلب الجزائر، في استضافتي اليوم الكاتبة «منار قوادرية» للحديث عن رحلتها في عالم الأدب حتى صدور أول عمل لها، ومن خيالها صنعت عالمًا مختلفًا للتنفس، كما وصفت، ومن هنا بدأ الإبداع.
هل أنتِ من اخترتِ الكتابة، أم أن الكتابة هي التي اختارتكِ؟
أنا من اخترتُ الكتابة، لأنني كنت أحتاج إلى وسيلة أُخرج بها ما بداخلي، وأعبّر عن أشياء ربما لا أستطيع قولها بشكل مباشر. بالنسبة لي، الكتابة كانت اختيارًا نابعًا من حاجة حقيقية للتعبير.
هل كان عالمكِ الخيالي هو البذرة الأولى لانطلاقتكِ في عالم الأدب؟
ليس تمامًا. منذ مرحلة المراهقة أصبت بالتفكير الزائد، وهذا جعل الخيال يسكنني غصبًا عني. مع الوقت وجدت نفسي أعيش الكثير من الأفكار والمشاهد في رأسي، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي دفعتني لاحقًا إلى الكتابة وتحويل هذا الخيال إلى كلمات.
هل قُبح العالم يجعل الإنسان يفرّ إلى عالم الخيال ويبدع؟
أعتقد أن الإنسان أحيانًا يلجأ إلى الخيال هروبًا من بشاعة الواقع وقسوته. عندما يصبح الواقع ثقيلًا، قد يجد الإنسان في الخيال مساحة يستطيع فيها أن يتنفس ويصنع عالمًا مختلفًا. وربما من هنا تبدأ بعض الأفكار الإبداعية.
هل كل من يحب ويستطيع التعبير عما بداخله يصبح كاتبًا؟
لا أعتقد ذلك. القدرة على التعبير وحب الكتابة قد تكون بداية، لكنها وحدها لا تكفي. الكاتب يحتاج إلى الاستمرار، والقراءة، والتجربة، والتطور، والأهم أن يجد صوته الخاص.
الخطوة الأولى في إصدار عمل أدبي خاص بكِ لها متعتها وصعوبتها، كيف رأيتِ ذلك في صدور رواية «اللعنة»؟
كانت تجربة جميلة وصعبة في الوقت نفسه. من أكثر الأشياء التي واجهتني الخوف من رأي الناس، وكذلك الانضباط في الكتابة، لأنني كنت أكتب حسب شغفي وليس بانتظام، وهذا جعل الاستمرار تحديًا بالنسبة لي.
أما أجمل لحظة فكانت عندما رأيت اسمي على عملي ورأيت إنجازي أمام عيني. كانت لحظة شعرت فيها أن كل التعب أصبح يستحق.
هل لا تخشين أن يختلط الأمر على القارئ في أعمالكِ، لأن رواية «اللعنة» لا تعبّر عن مضمونها بالمعنى العام؟ أم ماذا تقصدين باللعنة؟
العنوان بالنسبة لي يحمل أكثر من معنى، وليس المقصود منه معنى واحد فقط. «اللعنة» هي لعنة الحياة، ولعنة الغدر، ولعنة التميز، ولذلك فهي مرتبطة بأحداث الرواية وشخصياتها، وكل معنى منها يظهر بطريقة مختلفة داخل العمل.
هل مررتِ بموقف شعرتِ فيه أن الكتابة كانت طوق نجاتكِ، أو الوسيلة الوحيدة التي استطعتِ من خلالها التعبير عما بداخلكِ؟ وكيف انعكس ذلك الموقف على كتاباتكِ؟
نعم، مررت بموقف عبّرت فيه عن خيبة شخص عندما يتعرض للغدر من أقرب الناس إليه. حاولت أن أصف ذلك الشعور بكل ما يحمله من ألم، لكنني في الوقت نفسه لم أرد أن تكون الصورة مظلمة بالكامل؛ لأنني أؤمن أن العالم، رغم بشاعته، لا يزال يحمل جوانب جميلة، وأن الله يعوضنا دائمًا.
ما الموقف أو التجربة التي تركت أثرًا عميقًا فيكِ، وانعكس تأثيرها على كتاباتكِ وأعمالكِ الأدبية؟
من أكثر الأشياء التي تركت أثرًا فيّ فكرة السجن وبشاعته، خصوصًا عندما يكون بين من فيه أشخاص مظلومون. سواء تناولتُ هذه الفكرة في الكتاب أو فكرت فيها في الواقع، دائمًا ما جعلتني أتساءل عن الظلم والحرية والإنسان عندما يُسلب منه حقه.
ما الذي ترينه في الوسط الأدبي ولا يعجبكِ؟
أكثر ما لا يعجبني هو قلة دعم الكتاب الشباب، وأيضًا التسرع في الحكم على الكاتب أو على عمله قبل إعطائه فرصة حقيقية. أعتقد أن الكاتب الشاب يحتاج إلى من يقرأه ويوجهه، وليس فقط إلى من يحكم عليه.
ما أصعب شيء يمكن أن يواجه الكاتب في مسيرته الأدبية؟
بالنسبة لي، أعتقد أن النقد والخوف من رأي الآخرين من أصعب الأشياء. أحيانًا يبدأ التفكير يأخذك إلى أسئلة كثيرة: ماذا لو لم يعجبهم العمل؟ ماذا لو لم ينل سمعة جيدة؟ ماذا سأفعل حينها؟ لذلك أعتقد أن الكاتب يحتاج أيضًا إلى أن يتعلم كيف يتقبل الآراء دون أن يفقد ثقته بنفسه.
هل يستطيع الكاتب تغيير شيء، أو تقديم منفعة للمجتمع وأفراده؟
نعم، ربما لا يستطيع الكاتب تغيير المجتمع بأكمله، لكنه يستطيع أن يؤثر في بعض أفراده. يمكنه أن يبث فيهم التفاؤل وحب الحياة، وأن يفتح أعينهم على أشياء ربما لم يكونوا يرونها من قبل. وأعتقد أن هذا بحد ذاته أثر مهم.
ما الحلم الأكبر لدى الكاتبة منار قوادرية؟
حلمي الأكبر أن يكون لي اسم معروف في الأدب، وأن أستطيع أن أترك بصمتي الخاصة من خلال أعمالي، لا أن أكون مجرد كاتبة نشرت كتابًا وانتهى الأمر.
ماذا تتمنين أن يبقى من كتاباتكِ في ذاكرة القارئ، بعد أن يطوي صفحاتها؟
أتمنى أن يجد القارئ في كتاباتي وصفًا لشعور كان بداخله، لكنه لم يعرف يومًا كيف يصفه. إذا استطاع القارئ أن يغلق الكتاب ويقول: «هذا الشعور عشته، لكنني لم أستطع التعبير عنه»، فسأعتبر أنني وصلت إليه فعلًا.
وهكذا تنتهي رحلتنا مع الكاتبة الجزائرية «منار قوادرية»، التي حملت خيالها إلى عالم الكتابة، وحوّلت ما يسكنها من أفكار ومشاعر إلى كلمات، وصولًا إلى صدور عملها الأول «اللعنة». وبين الخيال والواقع، وبين الخوف من رأي الآخرين والرغبة في ترك بصمة، تظل الكتابة بالنسبة لها مساحة للتعبير، ومحاولة للوصول إلى القارئ وملامسة شيء من مشاعره. ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الكاتب خلفه ليس مجرد كتاب، بل شعورًا يجد القارئ نفسه بين صفحاته.






المزيد
روضة مجدي عن صناعة الأثر بين المنهج والقلم
بين الأوراق المبعثرة وألوان الحياة
حين تختار الكتابةُ صاحبَها