الفصل الثاني
الكاتب هاني الميهي
الصمت الذي جاء مبكرًا
كتاب وجع خفي
لم تبدأ النفس بالصمت لأنها أحبته.
في البداية، كان الكلام شيئًا طبيعيًا.
يخرج كما يخرج النفس من صدره؛ سريعًا، عفويًا، لا يحتاج إلى حساب. كانت الأشياء تجد طريقها إلى الخارج بسهولة. فرح صغير يُقال، خوف يُحكى، سؤال يُطرح، ووجع يبحث عن مكان يضع نفسه فيه.
ثم حدث شيء.
ليس بالضرورة شيئًا كبيرًا.
ربما جملة قيلت في اللحظة الخطأ.
ربما حديثًا قوطع قبل أن يكتمل.
ربما اعترافًا خرج للمرة الأولى ثم عاد إلى الداخل وهو يشعر بالخجل.
وربما كانت هناك لحظة أكثر بساطة؛ لحظة تكلم فيها الإنسان بكل ما يملك من صدق، ثم اكتشف أن الطرف الآخر كان يسمع الكلمات فقط، ولم يسمع ما وراءها.
كانت النفس تراقب تلك اللحظات.
وفي كل مرة، كانت تسجل شيئًا جديدًا.
ليس عن العالم.
عن الكلام.
—
في البداية، كان الإنسان يتحدث لأنه يريد أن يُفهَم.
ثم، بعد مرات قليلة، بدأ يتحدث وهو يفكر فيما إذا كان الكلام يستحق.
هذه كانت أول خطوة.
أن تتحول الجملة من شيء يخرج إلى شيء يُراجع قبل خروجه.
تبدأ النفس في الوقوف عند الباب.
هل تُقال؟
هل ستُفهم؟
هل ستُستخدم لاحقًا؟
هل ستبدو مبالغة؟
هل سيقال إن الأمر بسيط؟
هل سيتغير شيء لو قيل؟
أسئلة صغيرة.
لكنها كانت كافية لتجعل الكلام أثقل.
وبمرور الوقت، لم تعد النفس تسأل في كل مرة.
تعلمت وحدها.
حين يكون الموضوع حساسًا، تصمت.
حين يكون الخوف كبيرًا، تصمت.
حين تحتاج إلى شيء، تتردد.
حين تتأذى، تقول:
«لا شيء.»
وهكذا، من دون قرار واضح، بدأ الصمت يأخذ مكان الكلام.
—
كانت النفس ترى ذلك في الاجتماعات أيضًا.
شخص يجلس بين مجموعة من الناس.
تأتي لحظة يحتاج فيها إلى الاعتراض.
الفكرة المطروحة لا تناسبه.
الأرقام لا تبدو صحيحة.
القرار سيحمّل الفريق ما لا يحتمل.
يرفع عينيه.
يفتح فمه قليلًا.
ثم ينظر إلى المدير.
ينظر إلى الآخرين.
ويقول:
«تمام.»
تستمر المناقشة.
ويُتخذ القرار.
يخرج الجميع.
ويبقى شيء صغير في الداخل يعرف أن كلمة واحدة كانت كفيلة بتغيير المسار.
لكنها لم تخرج.
ليست دائمًا جبنًا.
أحيانًا تكون النفس قد تعلمت، منذ زمن، أن الكلام له ثمن.
ومن دفع الثمن مرة، لا ينسى بسهولة.
—
في البيت أيضًا، كان الصمت يتخذ شكلًا آخر.
مائدة الطعام.
أصوات الملاعق.
أخبار اليوم.
حديث عابر عن العمل.
ثم سؤال بسيط:
«مالك؟»
تتوقف النفس لحظة.
هناك الكثير الذي يمكن أن يُقال.
لكن الإنسان يجيب:
«مفيش.»
كلمة قصيرة.
سهلة.
مريحة للجميع.
ثم يعود الطعام إلى مكانه.
لكن النفس تعرف أن «مفيش» ليست دائمًا إجابة.
أحيانًا تكون بابًا أُغلق بسرعة حتى لا يدخل أحد.
—
بعض الصمت يبدأ حماية.
ثم يتحول إلى عادة.
ثم يصبح لغة.
وفي مرحلة ما، قد ينسى الإنسان أنه كان يعرف لغة أخرى.
يصبح قادرًا على تحمل أشياء كثيرة دون أن يشرح.
يعود من يوم طويل ولا يتحدث.
يتأذى ولا يسأل.
يحتاج ولا يطلب.
يشتاق ولا يتصل.
يغضب ولا يعترض.
ثم يأتي يوم يكتشف فيه أن أقرب الناس إليه لا يعرفون عنه إلا ما يسمح هو بظهوره.
ليس لأنهم لم يحاولوا.
بل لأن النفس كانت قد بنت جدارًا بصمت.
جدارًا لا يُرى.
ولا يحتاج إلى طوب.
يكفي أن تتكرر جملة واحدة:
«أنا بخير.»
—
كانت النفس تعرف أن هذه الجملة تحديدًا تحمل وجوهًا كثيرة.
قد تكون صادقة.
وقد تكون مجاملة.
وقد تكون اختصارًا.
وقد تكون استغاثة لا تعرف كيف تبدو في صورة استغاثة.
وفي بعض الأحيان، تكون مجرد طريقة لإنهاء الحديث.
لكن أخطر ما فيها أن الإنسان قد يكررها حتى يصدقها.
يقول «أنا بخير» مرات كثيرة، حتى يصبح الاعتراف بالعكس أمرًا غريبًا عليه.
وهنا لا يعود الصمت مجرد إخفاء.
يصبح نوعًا من فقدان القدرة على تسمية ما يحدث في الداخل.
لا يعرف الإنسان هل هو حزين أم متعب.
هل هو غاضب أم خائف.
هل يحتاج إلى الراحة أم إلى شخص يجلس بجواره.
كل ما يعرفه أنه يريد أن ينتهي اليوم.
—
وكانت النفس تلاحظ شيئًا آخر.
أن الإنسان لا يصمت أمام الجميع بالطريقة نفسها.
هناك أشخاص يستطيع أن يكون أمامهم على طبيعته.
وأشخاص آخرون يحتاج معهم إلى ترتيب كلماته بعناية.
وهذا الفارق لم يكن دائمًا متعلقًا بدرجة الحب.
أحيانًا كان متعلقًا بدرجة الأمان.
فالنفس لا تبحث فقط عمن تحب.
تبحث عمن تستطيع أن تضع عنده حذرها أرضًا.
وهذا أصعب.
لأن الحب قد يبدأ بسرعة.
أما الأمان فيحتاج إلى وقت.
يحتاج إلى مواقف صغيرة متكررة تقول للنفس إن ما ستقوله لن يتحول إلى سلاح ضدها.
أن الخطأ لن يصبح إهانة.
والضعف لن يصبح مادة للسخرية.
والاعتراف لن يتحول إلى نقطة يمكن ضربها لاحقًا.
وحين لا تجد النفس هذا الأمان، فإنها لا تعلن انسحابها.
فقط تقلل الكلام.
ثم تقلله أكثر.
حتى يصبح وجودها في العلاقة أكبر من حضورها فيها.
—
كانت النفس تعرف أن أكثر الناس صمتًا ليسوا دائمًا أقلهم كلامًا.
قد يكونون أكثر الناس ازدحامًا من الداخل.
في الخارج، جملة.
وفي الداخل، عشرة ردود.
في الخارج، ابتسامة.
وفي الداخل، سؤال.
في الخارج، موافقة.
وفي الداخل، اعتراض كامل.
في الخارج، «براحتك».
وفي الداخل، شيء يتوسل أن يُسمع.
وهكذا يعيش الإنسان أحيانًا بين نسختين منه.
نسخة يتحدث بها.
وأخرى لا تجد مكانًا للكلام.
ومع الوقت، تبدأ النسخة الثانية في التعب.
ليس لأنها تريد أن تشرح كل شيء.
بل لأنها لم تعد تعرف كيف تُخرج جزءًا واحدًا فقط.
فكلما فتح الإنسان بابًا صغيرًا، خرجت خلفه أشياء كثيرة.
ولهذا يفضّل الإغلاق.
—
في إحدى الليالي، جاءت رسالة قصيرة.
«عايز أتكلم معاك.»
قرأها الإنسان.
ثم وضع الهاتف جانبًا.
عاد إليه بعد دقيقة.
قرأها مرة أخرى.
لم يرد.
ليس لأنه لا يريد الحديث.
بل لأن الجملة فتحت في النفس احتمالات كثيرة.
ماذا سيقال؟
ماذا سيُطلب؟
هل سيحتاج إلى شرح؟
هل سيضطر إلى قول شيء أخفاه طويلًا؟
ظل الهاتف إلى جواره.
الشاشة انطفأت.
ثم أضاءت.
ثم انطفأت.
وفي النهاية، كتب:
«بكرة إن شاء الله.»
كانت النفس تعرف أن بعض «بكرة» لا تأتي.
ليس لأن الإنسان كاذب.
بل لأن التأجيل أحيانًا هو الطريقة الأكثر هدوءًا للهروب من مواجهة شيء لم يتعلم الإنسان كيف يقوله.
—
ثم تأتي مرحلة أخرى.
يبدأ الصمت في تغيير العلاقات نفسها.
فالآخرون لا يستطيعون رؤية ما لا يُقال.
قد يظنون أن كل شيء جيد.
قد يظنون أن التجاوز سهل.
قد يظنون أن عدم الاعتراض يعني الموافقة.
وقد يبتعدون لأنهم لم يجدوا ما يدلهم على الطريق.
وهنا تحدث المفارقة.
الإنسان الذي صمت حتى لا يخسر أحدًا، قد يخسر الناس بسبب صمته.
والنفس ترى ذلك ولا تجد في الأمر انتصارًا لأحد.
فهي تعرف أن كثيرًا من المسافات لا تبدأ بالخلاف.
تبدأ بأشياء صغيرة لم تُقل.
—
ومع ذلك، لم يكن الصمت دائمًا عدوًا.
أحيانًا كان رحمة.
هناك كلمات لو خرجت في لحظة الغضب لأفسدت أشياء كثيرة.
وهناك مشاعر تحتاج إلى وقت حتى تفهم نفسها.
وهناك مواقف يكون السكوت فيها أرقى من رد سريع.
كانت النفس تعرف الفرق.
الصمت الذي يحمي لحظة ليس هو الصمت الذي يدفن حياة كاملة.
الأول مساحة للتفكير.
والثاني مكان للاختباء.
لكن الإنسان قد يخلط بينهما.
خصوصًا حين يكون قد اعتاد أن يحمي نفسه بالطريقة نفسها في كل موقف.
فيصمت حين ينبغي أن يفكر.
ويصمت حين ينبغي أن يطلب.
ويصمت حين ينبغي أن يقول «هذا يؤلمني».
ويصمت حتى في اللحظة التي يصبح فيها الصمت ظلمًا لنفسه ولمن حوله.
—
كانت النفس تتغير مع كل مرة.
شيئًا قليلًا.
لا أحد يلاحظ.
لكنها كانت تعرف.
في البداية، كان الصمت قرارًا.
ثم صار رد فعل.
ثم صار عادة.
ثم صار جزءًا من الشخصية.
وفي النهاية، أصبح الإنسان يقول:
«أنا كده.»
وهنا كانت النفس تتوقف طويلًا.
لأن بعض الأشياء التي نسميها «نحن» ليست نحن بالكامل.
قد تكون أشياء تعلمناها كي ننجو.
ثم نسينا أننا تعلمناها.
—
كان هناك شخص لم يعد يطلب شيئًا من أحد.
يصلح أموره بنفسه.
يتحمل.
يذهب.
يعود.
يعمل.
يساعد الآخرين.
وإذا سُئل عما يحتاجه، قال:
«ولا حاجة.»
كانت النفس تعرف أن هذه الجملة لم تكن دائمًا دليل اكتفاء.
أحيانًا كانت بقايا خيبة قديمة.
فحين يطلب الإنسان شيئًا مرة، ثم يُقابل طلبه بالتجاهل، قد يتعلم ألا يطلب.
ليس لأنه لم يعد يحتاج.
بل لأنه لم يعد يريد أن يعيش لحظة الانتظار مرة أخرى.
وهكذا يصبح الاستقلال أحيانًا اسمًا محترمًا لخوف قديم.
—
ومع ذلك، كانت النفس تنتظر.
ليس شخصًا بعينه.
بل لحظة.
لحظة يشعر فيها الإنسان أن الكلام لن يعاقبه.
أن ضعفه لن يقلل من قيمته.
أن احتياجه لن يجعله عبئًا.
أن الاعتراف بالألم لا يعني الهزيمة.
في تلك اللحظة فقط، يبدأ شيء في الداخل بالتحرك.
كأن غرفة ظلت مغلقة سنوات قد فُتح بابها قليلًا.
لا يخرج منها أحد.
لا تحدث معجزة.
فقط يدخل بعض الهواء.
وهذا يكفي أحيانًا لتعرف النفس أن الصمت لم يكن قدرًا.
كان وسيلة.
والوسائل يمكن تغييرها.
—
لكن الطريق لم يكن بهذه السهولة.
فمن اعتاد الصمت طويلًا لا يتحول فجأة إلى شخص كثير الكلام.
قد يبدأ بكلمة واحدة.
ثم يتراجع.
قد يقول الحقيقة، ثم يشعر بالخوف منها.
قد يعترف بأنه تأذى، ثم يضيف بسرعة:
«بس عادي.»
كأن النفس تخشى أن تترك الجملة دون أن تخففها.
قد تقول:
«أنا زعلت.»
ثم تضحك.
وقد تقول:
«أنا محتاج.»
ثم تغير الموضوع.
وقد تقول:
«الكلام ده وجعني.»
ثم تعتذر عن قوله.
كانت النفس ترى هذه المحاولات الصغيرة.
ولم تكن تسخر منها.
كانت تعرف أن الإنسان الذي تعلم الصمت مبكرًا يحتاج إلى أن يتعلم الكلام من جديد، لا بوصفه مهارة، بل بوصفه أمانًا.
—
في آخر الليل، هدأت الأصوات.
أُغلقت الأبواب.
خفتت الإضاءة.
وبقي الإنسان وحده.
لم يكن هناك من يحتاج إلى إجابته.
ولا أحد ينتظر ابتسامته.
ولا اجتماع عليه أن يبدو فيه متماسكًا.
ولا رسالة يحتاج إلى صياغتها بعناية.
كان هناك فقط ذلك المكان الداخلي الذي ظل سنوات يستقبل كل شيء ولا يرسل شيئًا.
جلست النفس هناك.
لم تقل شيئًا.
فقط تركت الصمت يأخذ مداه.
وبعد وقت طويل، خرجت من الداخل جملة صغيرة.
لم تكن اعترافًا كبيرًا.
ولا شكوى.
ولا تفسيرًا.
كانت أقرب إلى همسة:
«أنا تعبت.»
توقفت النفس عندها.
ليس لأن الجملة جديدة.
بل لأنها المرة الأولى التي لم تتبعها كلمة «مفيش».
ولأول مرة منذ زمن طويل، لم تحاول النفس أن تخفي ما قيل.
تركته كما هو.
واضحًا.
بسيطًا.
إنسانيًا.
فبعض الوجع لا يحتاج إلى حل في اللحظة الأولى.
يحتاج فقط إلى ألا يُجبر مرة أخرى على الاختباء.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الصمت كما كان.
لأن النفس بدأت تفهم أن أخطر ما يفعله الألم ليس أنه يجعل الإنسان حزينًا.
بل أنه يعلمه أحيانًا كيف يعيش دون أن يقول أين يؤلمه.
وحين يتوقف الألم عن طلب الانتباه، لا يعني أنه انتهى.
قد يكون قد وجد طريقًا آخر.
طريقًا يمر من التصرفات، والاختيارات، والخوف من التكرار.
حتى يأتي يوم يكتشف فيه الإنسان أن الحدث انتهى منذ زمن…
لكن شيئًا منه لم ينتهِ بعد.






المزيد
مقبرة النسيان بقلم رؤى خالد محمد
خريفي بقلم خنساء الهادي
نُبلُ الغُفران بقلم سمية عمر عكاشة