مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

والله غالب علي أمره بقلم هاني الميهي

الفصل السادس
حين تختبر السلطة الثبات
اسم الكتاب: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾
اسم الكاتب: هاني الميهى

السلطة اختبار صعب لأي شخص، لكنها أكثر صعوبة لمن يملكها بعد رحلة طويلة من الصبر والمحن. كثيرون يظنون أن الوصول إلى موقع القيادة يعني الانتصار النهائي، أو الأمان التام، أو التحكم الكامل في مصائر الآخرين. يوسف بعد أن تجاوز البئر، وبعد أن أثبت نفسه في بيئة فاسدة، وجد أن امتلاك السلطة هو بداية اختبار آخر، اختبار لم يكن أقل تعقيدًا من كل ما سبق، بل ربما أعقد.
السلطة ليست مجرد قدرة على إصدار الأوامر، ولا امتلاك نفوذ على الآخرين، بل هي مرآة لما في داخلك. من يملك السلطة قبل أن يملك ضبط النفس، يتحول بسرعة إلى أداة لخداع نفسه والآخرين. السلطة تكشف عن الطبيعة الحقيقية للإنسان: من يحكم بقلب مستكين، ومن يحكم بدافع الغرور، ومن يحكم بالعدالة.
في البيئة العملية، هذا الدرس يتكرر بلا توقف: كثير من القادة الجدد يظنون أن النجاح في الوصول إلى منصب يعني أنهم فهموا اللعبة، وأن التحديات السابقة انتهت. الحقيقة أن السلطة تجلب تحديات جديدة، أكثر تعقيدًا، وأكثر فخًا. كل قرار له تبعات، وكل خطوة مراقبة، وكل تصرف ملاحظة. وهنا يظهر الفرق بين من يستخدم السلطة كأداة لتحقيق هدف أسمى، وبين من يستخدمها لتحقيق رغبات شخصية ضيقة.
يوسف واجه اختبارين في هذه المرحلة: الداخلية والخارجية. داخليًا، كان عليه أن يثبت لنفسه أنه لم يتغير تحت تأثير السلطة، وأن قيمه لا تتزعزع. خارجيًا، كان عليه أن يتعامل مع من حوله بحكمة، ويوازن بين القوة واللين، بين الحزم والمرونة، وبين العقاب والعدل. هذه هي طبيعة القيادة الحقيقية: القدرة على ممارسة السلطة دون فقدان الاتزان الداخلي.
الدرس الثاني: السلطة تكشف الغيرة والعداء المخفي. بعد أن وصل يوسف إلى موقع القوة، بدأ يظهر من حوله من لم يتغيروا، من لا زالوا يحملون الحقد أو الطمع. السلطة لا تخلق هؤلاء، لكنها تكشفهم. وهذا ما يجعل المرحلة خطيرة: كثيرون يظنون أن النجاح سيجلب الولاء، بينما في الواقع، الولاء الحقيقي قليل، والمصلحة الشخصية غالبًا ما تكون الأقوى.
ثالثًا: الاختبار الأكبر للثبات أمام الإغراء. السلطة تأتي دائمًا مع مغريات: تقدير زائد، فرص شخصية، نفوذ على الآخرين، حتى القدرة على الانتقام ممن ظلموك. يوسف واجه هذا الاختبار بحكمة: لم يسمح للسلطة أن تغير قيمه، ولم يستخدمها لتصفية حساباته، بل ليعيد تنظيم المشهد، ويعزز العدالة، ويثبت أن القوة الحقيقية هي قوة الاتزان الداخلي.
السلطة، إذا أسيء استخدامها، تصبح أداة للدمار. إذا أسيء فهمها، تتحول إلى وسيلة للغطرسة، وللكذب على النفس، ولإلحاق الضرر بالآخرين. لكن إذا أحسنت استخدامها، تصبح أداة للنمو، ولإعادة توازن العلاقات، ولتحقيق الغلبة الهادئة التي طالما كان يوسف يسعى إليها. هنا تتضح حكمة رحلة الصبر السابقة: كل مرحلة كانت تحضرك لتتحمل المسؤولية الحقيقية عند وصولك للسلطة.
في الإدارة كما في الحياة، القيادي الذي يمتلك السلطة ويختبرها لأول مرة غالبًا ما يقع في فخ الاندفاع. قد يعتقد أن السيطرة تعني فرض الرأي أو السيطرة على كل تفصيل. يوسف لم يفعل ذلك، بل استخدم السلطة كأداة لتمكين الآخرين، للحفاظ على القيم، ولتحقيق أهداف أكبر من ذاته. هذا ما يجعل الغلبة مستمرة، وهذا ما يفرق بين من يكون في السلطة مؤقتًا ومن يترك إرثًا دائمًا.
الدرس العملي: القوة بدون ضبط ذاتي ليست قوة، بل خطر. كل قائد، مهما كانت نواياه صافية، يحتاج إلى الاختبار اليومي للثبات أمام الإغراءات، أمام الخطأ، أمام الفساد، وأمام رغبة الانتقام. يوسف لم ينجُ من هذه التجربة فحسب، بل تعلم أن الغلبة الحقيقية تبدأ من الداخل، ثم تنتقل إلى الخارج.

رسالة الفصل
السلطة تكشف حقيقتك، وتختبر ثباتك، وتختبر قدرتك على التحكم في النفس قبل الآخرين.
الثبات أمام الإغراء هو سر القيادة الحقيقية.

تمهيد الفصل القادم
حين تتحمل المسؤولية، وتثبت أمام الإغراء،
ستواجه مرحلة الخيانة الأكثر خفية: الخيانة الناعمة…

الفصل القادم يكشف كيف يظهر الضرر في هيئة حب أو مصلحة مشتركة.

#واللهغالبعلىأمره
#هاني
الميهى