مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نورسين … حين يخذلك البحر

كتبت أمينه خليل:

لم تكن نورسين من أولئك الذين يهوَون البكاء على الشرفات، أو كتابة النحيب في دفاترهم القديمة.

لكنها اليوم لم تجد مأوىً سوى شاطئ البحر.

جلست هناك، يلفح الهواء خديها، وتحاول خصل شعرها أن تهرب من تحت وشاحها الرمادي، وكأن شعرها يريد الهرب من ثقل قلبها.

كانت تحبّه…

بصدق لا يعرف التكلّف، وبهدوء لا يعرف التوسّل.

ولم تطلب منه شيئًا سوى أن يبقى.

لكنه لم يفعل.

لم يرحل بالصوت، بل بالصمت.

كأن حضوره تسرّب من بين اللحظات، لا فُقد فجأة… بل تلاشى ببطء.

قالت في سرّها، وهي تراقب الأمواج تتكسر بلا اكتراث:

– “يا بحر، أما زلتَ تحفظ الأسرار؟ أم أنك مثلهم… تنسى؟”

لم يكن البحر يجيب، لكنه كان يُكرر نفس الموجة، كأنّه يعيد عليها ما لم ترد سماعه.

قاطع شرودها صوتٌ مألوف، لقد كان بائع الكتب العجوز الذي قال بهدوء:

– “يا ابنتي، البحر لا يُجيد العزاء… إنه فقط يُصغي دون أن يعلّق.”

ابتسمت له بأدب، لكنها لم ترد.

مرّت لحظة صمت، ثم همست:

– “هل سبق وأن خذلك أحدٌ، يا عمّ عارف؟”

أجاب وهو يشير إلى قلبه بنظرة بعيدة:

– “البشر يا نورسين، لا البحر.

البحر لا يعِد، ولكنه أيضاً لا يخذل. أما البشر… فإنهم يعِدون كثيرًا، وينسون أسرع مما نتخيّل.”

قالت وهي تشدّ على معطفها كأنها تحتضن نفسها من الداخل:

– “كان صادقًا في البدايات… وربما في الوعد أيضًا. لكنه اختفى.”

نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت متهدّج:

– “من ينسى لا يحب. ومن يحب… لا يخذل.”

ثم تركها وغاب، كما اعتاد أن يفعل، دون أن ينتظر ردًّا.

لكن كلماته كانت قد استقرت في عقلها مثل موجة هادئة لا تصرخ، لكنها تغيّر شكل الشاطئ.

مرّت شهور.

تغيّرت خلالها السماء، ومزاج البحر، ووجه المدينة… ونورسين.

لم تعد تجلس عند شاطئ البحر كل صباح كما اعتادت.

ولم تعد تكتب له في عقلها، ولم تعد تقرأ رسائله القديمة.

تعافت… لا فجأة، بل كل يومٍ قليلاً.

ذات مساء، وقفت عند نفس النقطة التي بكت فيها ذات يوم.

ارتدت فستانًا أبيضًا بسيطًا، وربطت شعرها للخلف، وابتسمت لامرأة صغيرة كانت تبيع الورود، فاشترت منها واحدة.

سارت خطواتها فوق الرمل بثقةٍ لم تعرفها من قبل.

أخرجت من حقيبتها ورقة قديمة…

رسالة لم تُرسل أبدًا، كتبتها يوم كان قلبها ينزف ولم تجد له كتفًا.

نظرت إلى الورقة، ثم ابتسمت، ومزّقتها ببطء.

لا انتقامًا، بل تحررًا.

قالت للبحر، بصوت هادئ مطمئن:

– “لم أعد أحتاج أن يعود، يا بحر…

أنا التي عدت إليّ.”

ثم رمَت الوردة في الماء، ومشت.

لم تلتفت خلفها، ولم تنتظر علامة، ولا تفسيرًا، ولا حتى اعتذارًا.

فبعض القصص لا تُغلق من الخارج… بل نغلقها نحن حين نغفر لأنفسنا أننا صدقنا كثيرًا.

وفي زاوية السماء، كانت الشمس تغرب…

لكن وجه نورسين كان ممتلئًا بالنور.