مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نبعٌ نسيَ أن يرتوي بقلم مريم جمال

نبعٌ نسيَ أن يرتوي بقلم مريم جمال

 

هل تساءلتم يوماً عن الشمعة؟ تلك التي تفني كيانها لتطرد عتمة الغرفة، بينما يذوب قلبها بصمت ولا يراها أحد إلا حين تنطفئ؟ هكذا هو الإنسان الذي جعل من قلبه جسراً يعبر عليه الجميع، ونسيَ أن لهذا الجسر أساساتٍ تحتاجُ للترميم.

أن تعطي، يعني أنك تملك نفساً غنية، وروحاً تشبه الغيمة التي لا تبخل بمطرها. لكن الوجع يبدأ حين يصبح “العطاء” عادةً، و”النسيان” قدراً. حين تلتفت يمينك لتسند هذا، ويسارك لتجبر خاطر ذاك، ثم ينتهي بك اليوم وأنت وحيدٌ تماماً، تبحث عن كتفٍ تميل عليه، فلا تجد إلا ظلك.

ليس من الأنانية أن تحب نفسك، بل الأنانية هي أن تستهلك روحك حتى الجفاف، ثم لا تجد ما تقدمه لمن تحب. إننا أحياناً نغرق في تفاصيل الآخرين، نداوي جراحهم بكلماتنا، ونرتب فوضى حياتهم بحكمتنا، وفي زاوية بعيدة من أرواحنا، تقبع طفولةٌ مهملة، وأحلامٌ مؤجلة، وقلبٌ يهمس بضعف: “وأنا.. متى يحين دوري؟”

لقد تعلمنا أن العطاء فضيلة، لكننا لم نتعلم أن “الاكتفاء” قوة. أن تعطي الجميع وتنسى نفسك ليس كرماً فحسب، بل هو نوع من القسوة الخفية بحق أغلى ما تملك. فالمسافر لا يمكنه إكمال الطريق بوقودٍ ينفد، والمصباح لا يضيء بلا زيت.

لذا، قفوا قليلاً.. أنصتوا لضجيج أرواحكم المتعبة. أخبروا أنفسكم أنكم تستحقون الحب الذي تمنحونه، والوقت الذي تهبونه، والصبر الذي تتسلحون به لأجل الآخرين.

تذكروا دائماً: لا يمكن لنبعٍ جاف أن يروي عطش قافلة. ابدأوا بأنفسكم، رمموها، أحبوها، وامنحوها حقها في الحياة، لكي يظل عطاؤكم شمساً لا تغيب، ونبعاً لا ينضب.