سارة أسامة النجار
احتواني الغضبُ من تصرُّفاتِ الصّغارِ، فهرعتُ نحوهم كريحٍ عاتيةٍ، لأخمدَ ضجيجهم الذي ارتفعَ كأمواجٍ تعصِفُ بأعصابي، ليصطدمَ فجأةً إصبعُ قدمي بحافّةِ الطاولةِ. فاستندتُ عليها كي أمتصَّ تأوُّهي، وانتشلني دفترٌ أزرقٌ مُخبَّأٌ بينَ الألعابِ. سحبتُهُ بخفّةٍ غير مُباليةٍ بتورُّمِ إصبعي الصغير. قلّبتُ الصّفحاتِ بسرعةٍ، حتى استوقفتني ورقةٌ مطويّةٌ؛ فردتُها ببطءٍ كأنّي أفتحُ مغارةً لعالمٍ آخرَ، وقرأتُ الحروفَ المُبعثَرةَ داخلَها. فكانتْ كسهامٍ اخترقتْ قلبي، فانفجرَ شظايا من الحزنِ توزَّعتْ في أرجاءِ صدري، أمام اصطدامِ عيني بكلماتِ البراءةِ.
كتبَ الطفلُ: “أنا بحبُّ ماما لأنها حملتني ببطنها ٩ شهور وربّتني وكبّرتني، بس أنا معصّب منها لأنها بتحكي لبابا كل شيء بعمله وبتخليه يعاقبني…”. وتركَ بجانبِ حروفِهِ العفويّةِ قلبًا صغيرًا.
كيفَ لطفلٍ لم يتجاوزْ التّاسعةَ من ربيعِهِ، أنْ يهربَ إلى الورقِ بحثًا عن حضنٍ أكثرَ دفئًا منا؟ وكيفَ لحروفِهِ النّقيّةِ أنْ ترفعَ رايةَ الامتنانِ في وجهِ قساوتِنا؟
بينما تغلغلتْ أصابعي في بُصيلاتِ شعري؛ تراءى في ناصيةِ ذاكرتي، إلحاحُهُ وهوَ في الثالثةِ، للتعرُّفِ على عالمِ الحروفِ. وجلوسُهُ بجانبي يُحاولُ تركيبَ الكلماتِ التي أحيكُها، وشرودُهُ العميقُ برسمِ الأبجديّةِ، وهي تُعانقُ بعضها البعضَ، كأنَّها نُقوشٌ تُنحَتُ على الجبالِ الشامخةِ. كانَ يعي بحقِّهِ التّعبيرَ عن ذاتِهِ، وقد اختارَ الورقَ أنيسًا لمكنوناتِهِ. فعندما أمنعُهُ من علبةِ الألوانِ، يجدُ قلمَهُ الرصاصَ جوهرةً ثمينةً يكملُ بها واجبَهُ الدراسيَّ، ويفضفضُ لهُ عمّا يجولُ بقلبِهِ الطاهرِ عندما أبتعدُ عنهُ.
نحنُ الكبارُ نريدُ أبناءَنا مُهذَّبين، ومتفوِّقين، وقِياديِّين، ومُتزنين، ومحبوبين، وقائمةً لا تُحصى من المثاليةِ، كأنَّنا نعوِّضُ فشلَنا وأخطَاءَنا فيهم، مُتجاهلينَ رغبتَهم بأنْ يُفهَموا ويُحبُّوا بدونِ شروطٍ. فمذكّراتُهم ليستْ مجرّدَ كلماتٍ، بل هي أدواتٌ شفّافةٌ تُترجمُ ما يلوجُ في طيّاتِهِم.
فالأطفالُ بحاجةٍ لأنْ يُسمعوا ولو على الورقِ. إنَّ إجبارَهم على اتّباعِ أوامرِنا ومتطلّباتِنا دونَ أنْ نمنحَهم فرصةَ التّعبيرِ عن مشاعرِهم، يُهدّدُ بإغلاقِ أبوابِ أفئدتِهم التي نحنُ بأمسِّ الحاجةِ لأنْ تبقى مفتوحةً على مِصراعيها.
قبلَ أنْ نُصوِّبَ تعليماتِنا، علينا أنْ نُحفِّزَهُم على البَوحِ بخواطرِهم العفويةِ مهما كانتْ ساذجةً بالنسبةِ للكبارِ، فهذا يُؤهِّلُهُم لفهمِ ذواتِهِم واستكشافِها. ومن المُهمِّ أنْ ننظرَ إلى كتاباتِهم، وحتى شكاوَىهم، كدعوةٍ للتواصلِ العميقِ، لا كنوعٍ من التّذمُّرِ أو عدمِ التقديرِ.
علينا أنْ نُعلِّمَ الأطفالَ أبجديةَ أنْ يقولوا بثقةٍ: “أنا حزينٌ لأنَّكَ صرختَ بوجهي”، وكذلكَ: “أنا سعيدٌ لأنَّكَ لعبتَ معي اليوم”. ولنُظهرَ لهُم أنَّنا هنا لنفهمَهم، لا لنحكمَ عليهم. لأنَّ هذه العلاقةَ، المبنيةَ على الثّقةِ والتّواصلِ، هي ما يصنعُ إنسانًا قويًّا متوازنًا يعرفُ كيفَ يُعبِّرُ عن ذاتِهِ دونَ خوفٍ.
أعتذرُ لنفسي التي روّضَها الغضبُ من فطرةٍ بيضاءَ، وسأضبطُ سلوكِي كي أُحافظَ على الحبِّ في ثنايا بيتي، وسأتذكَّرُ دائمًا أنَّ كلماتِ الصّغارِ هي مفاتيحُ قلوبِهِم، وأنَّ إصغائي هو بمثابةِ وعدٍ يربطُ قلوبَنا بخيوطٍ فولاذيّةٍ من الوُدِّ لا تنقطعُ أبدًا.






المزيد
مدينتي ضوء القمربقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد عاصي
أسعدتني بصباحها ! بقلم سها مراد
بتوقيت قلبك أم عقلك ! بقلم سها مراد