مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مدن بلا أبواب بقلم هاني الميهي

مدن بلا أبواب بقلم هاني الميهي

الفصل الأول: الأسوار العالية

 

المدينة مثل الإنسان، تولد عارية من كل شيء، ثم تبدأ تبني حول نفسها ما يحميها: بيت، جدار، ثم سور، ثم أبواب تغلق على الداخلين والخارجين. ومنذ فجر التاريخ، لم تُعرف مدينة من دون سور. كان السور هو علامة المدينة الفارقة، رمز قوتها وكيانها، وإعلانها الصريح أنها “هنا” ولها حدود وملامح.

لكن مع مرور الزمن، تحولت الأسوار من رمز حماية إلى قيد، ومن ضمانة أمان إلى سجن واسع، يضيق على ساكنيه كلما امتدت ظلاله. هنا تبدأ المفارقة الكبرى: الأسوار العالية تمنحك الأمان من الخارج، لكنها تسلبك الحياة من الداخل.

حين يعيش الناس خلف أسوار شاهقة، يظنون أنهم في حصانة تامة، لكنّ هذه الحصانة لا تلبث أن تتحول إلى عزلة، والعزلة إلى انكماش، والانكماش إلى موت بطيء. التاريخ مليء بمدن انهارت لا لأن العدو اقتحمها، بل لأن جدرانها فصلتها عن العالم حتى ماتت من الجفاف الروحي والفكري.

والإنسان ليس بعيدًا عن المدينة. هو الآخر يبني حول نفسه أسوارًا، مرئية وغير مرئية. قد تكون سورًا من صمت، أو جدارًا من خوف، أو حصنًا من كبرياء. ويظن أنّه يحمي نفسه من الانكسار، بينما هو يحرمها من التجربة. فكم من شخص عاش عمره كله داخل جدار من الحذر، فلم يعرف معنى الحرية، ولا تذوق لذّة الخطأ، ولا اكتسب حكمة السقوط.

كل سور عالٍ يحجب شيئًا. يحجب ضوء الشمس، ويحجب الهواء، ويحجب صوت الضحكات القادمة من الخارج. ومع مرور الوقت، يتعوّد الإنسان على الظلام والركود حتى يظنهما حياة طبيعية، ولا يعود يتساءل عن العالم الآخر وراء الجدار.

هنا يكمن الخطر: أن يختفي السؤال. فالأسوار ليست فقط أحجارًا تُبنى، بل هي أفكار تترسخ، ومعتقدات تُغلق على أصحابها، وأنظمة اجتماعية تُقنع الناس أن البقاء داخل الجدار هو الأمان المطلق. وما إن تختفي الأسئلة حتى يصبح الجدار قدرًا مقدسًا لا يُكسر.

ولكن، هل هناك مدينة بلا أبواب؟ نعم، هناك مدن قررت أن تفتح أبوابها للعالم، لا لأنّها لا تخاف، بل لأنّها أيقنت أنّ الحياة الحقيقية لا تُبنى في العزلة. فالمدينة بلا أبواب ليست مدينة بلا أسوار، بل مدينة اختارت أن يكون سورها جسرًا، وأن يكون الباب مفتوحًا لا يغلق في وجه القادم ولا في وجه الذاهب.

المدن بلا أبواب تعلمنا درسًا بليغًا: أن الحرية لا تعني غياب الحماية، بل تعني الشجاعة في استقبال الآخر، والانفتاح على التجربة، والقدرة على إعادة التجدّد كل يوم.

وفي النهاية، الأسوار العالية ليست سوى انعكاس للخوف الإنساني. فإذا أردنا أن نعرف حجم الخوف في قلوب البشر، فلننظر إلى علوّ الجدران التي يحيطون بها أنفسهم. والسؤال الذي يبقى: متى نجرؤ على أن نهدم جدارًا واحدًا لنكتشف أننا أحرار منذ البداية؟