مدن بلا أبواب بقلم هاني الميهي
الفصل السادس: حين تُغلق السماء
المدن لا تُختنق فقط بجدرانها، بل أحيانًا تُحاصر حين تُغلق السماء فوقها. ليس المقصود هنا الغيوم الثقيلة ولا المطر الغزير، بل ذلك الشعور الجمعي بأن الأفق قد انكمش، وأن الأحلام لم يعد لها فضاء لتطير فيه.
حين تُغلق السماء، يتحوّل الناس إلى أسرى الأرض. يمشون في طرقاتهم بوجوه شاحبة، يحملون أجسادهم كأنها عبء، ويُردّدون العبارات نفسها كل صباح: “لا جديد، لا أمل، لا مخرج.” تصبح السماء رمزًا غائبًا، وتغدو النجوم حكاية بعيدة لا يجرؤ أحد على تصديقها.
إنّ أخطر ما يحدث حين تُغلق السماء أنّ الإنسان يفقد قدرته على الحلم. والحلم ليس رفاهية، بل هو الهواء الذي يتنفسه القلب. مدينة بلا أحلام مدينة ميتة، مهما ازدحمت شوارعها وضجّت أسواقها. فالطموح هو الذي يرفع الرأس إلى السماء، والسماء هي التي تمنح الطموح أجنحة. فإذا أُغلقت، انكسر الرأس وانطفأ البريق من العيون.
قد تُغلق السماء بسبب ظلمٍ يطول، أو خوفٍ متراكم، أو خيبةٍ متكررة تجعل الناس يقتنعون أنّ “هكذا كُتب علينا”. عندها ينشأ جدار غير مرئي بين الأرض والسماء، كأن هناك يدًا خفية حجبت الضوء عمدًا.
لكن السماء لا تُغلق حقًا. هي تظل هناك، صافية أو ملبدة، شاهدة تنتظر من يرفع عينيه إليها من جديد. الإنسان هو من يغلقها حين يرضى بالقيد ويستسلم للعتمة. فما دامت العين قادرة على النظر إلى فوق، تظل هناك نافذة للرجاء، مهما ضاقت الأرض.
إنّ التاريخ نفسه يشهد أنّ الشعوب التي شعرت بأن السماء مغلقة عليها لم تمت. بل في لحظة ما، خرج منها من قرر أن يكسر الجدار الوهمي، أن يرفع رأسه عاليًا، أن يعلن أنّ السماء ملك للجميع، وأنها لا تُباع ولا تُقايض.
حين تُغلق السماء، يحتاج الإنسان إلى شجاعة مزدوجة: شجاعة مواجهة الواقع القاسي، وشجاعة تصديق أنّ الأفق موجود حتى لو لم يره بعينيه بعد. هي لحظة إيمان عميق بأنّ الغيم مهما تراكم، سيكشف يومًا عن شمس لا تعرف اليأس.
في النهاية، المدن بلا أبواب لا تبحث فقط عن حرية الأرض، بل عن اتساع السماء. فلا معنى لمدينة مفتوحة الجدران إذا كان أفقها مغلقًا، ولا قيمة لحرية الجسد إذا ظلّ القلب أسيرًا بين الأرض والسقف الواطئ. الحرية الحقيقية تبدأ من العين التي تجرؤ أن ترفع نظرها وتقول: “السماء ما زالت هناك… تنتظرني.”
يتبع الفصل السابع






المزيد
خيبة ظن مجدداً بقلم أسماء علي محسن
سأبقى أسيرُ إلى الحلمِ مبتسماً بقلم اماني منتصر السيد
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم هانى الميهى