مدن بلا أبواب بقلم هاني الميهي
الفصل الثالث: الجدران داخل البيوت
الجدران التي تحيط بالمدينة قد تحميها من الغزو، لكن ماذا عن الجدران التي تُبنى داخل البيت الواحد؟ تلك الجدران الصامتة التي لا تُرى بالعين، لكنها أثقل من كل حجارة الأرض.
داخل البيوت، يتعايش الناس مع بعضهم كغرباء أحيانًا. أب يجلس في غرفة منفصلة، وأم تختبئ خلف واجباتها اليومية، وأبناء يعيشون في عوالمهم الرقمية، بينما الجدران النفسية تتكاثر بصمت بين كل قلب وآخر. هذه الجدران لا تُشيّد بالآجر والإسمنت، بل بالكلمة الجارحة، وبالسكوت الطويل، وبالخيبة المتكررة.
لقد اعتاد البشر أن يظنوا أنّ البيت جنة الأمان. لكنه قد يكون سجنًا باردًا إذا امتلأ بجدران غير مرئية. فالعزلة التي يعانيها إنسان في بيته، بين من يُفترض أن يكونوا أقرب الناس إليه، أقسى من أي عزلة في مدينة صاخبة أو شارع مزدحم.
الجدران داخل البيوت تظهر عندما يغيب الحوار. حين يفضّل كل فرد أن يضع سماعة في أذنه بدل أن يصغي لنبض الآخر. حين تتحوّل الطاولة إلى مكان صامت للأكل فقط، لا مساحة لتبادل الأفكار ولا مشاركة القصص. هناك، يبدأ الجدار الأول.
ثم تتكاثر الجدران مع كل خيبة صغيرة: وعد لم يتحقق، حلم لم يُفهم، شعور تم الاستهانة به. في لحظة ما، يصبح الجدار داخل البيت أكثر صلابة من أي سور خارجه. وهنا تتبدّل الأدوار: من كان يُفترض أن يكونوا سندًا، يصبحون غرباء. ومن كان البيت ملجأه، يغدو مكانًا يهرب منه.
أخطر ما في هذه الجدران أنّها تورّث. الطفل الذي نشأ في بيت مليء بالصمت والجفاء يتعلّم كيف يبني جدرانه مبكرًا. يكبر وهو يظن أنّ المسافة بين القلوب قدر لا مفر منه. وهكذا تنتقل الجدران من جيل إلى جيل، حتى تصبح ثقافة متوارثة، أصعب من أي حجر وأشد قسوة من أي سور.
لكن، هل يمكن لهذه الجدران أن تنهدم؟
نعم، لكنها تحتاج إلى شجاعة وصدق. تحتاج إلى كلمة بسيطة: ˝أنا أفتقدك˝. تحتاج إلى جلسة صريحة تُكسر فيها حواجز الصمت. تحتاج إلى أن نرى أنّ أقرب الناس إلينا ليسوا أعداءنا، بل هم أضعف وأحنّ مما نتصور.
إنّ البيت بلا محبة جدرانه قبور، أما البيت الذي تُهدم فيه الجدران النفسية فيغدو وطنًا صغيرًا يواجه به المرء قسوة العالم الخارجي. فالبيوت التي تسقط جدرانها الداخلية تُصبح مدنًا بلا أبواب، يدخلها الدفء ويقيم فيها الأمل.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى