مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لماذا أصبح البعض يخاف من نظرة الناس أكثر من خوفه من خسارة نفسه؟

كتب عبد الرحمن شعبان سعد:

 

من أخطر التحولات التي أصابت الإنسان في عصرنا الحالي أنه أصبح يمنح الآخرين سلطةً على حياته أكثر مما ينبغي. فهناك من يغيّر قناعاته حتى لا يُنتقد، ويخفي أحلامه حتى لا يُسخر منه، ويتنازل عن مبادئه حتى ينال قبول الناس، ويعيش عمره كله باحثًا عن رضا الجميع، ثم يكتشف في النهاية أنه خسر نفسه وهو يحاول ألا يخسر الآخرين.

 

لقد أصبح كثير من الناس يبنون قراراتهم على سؤال واحد: “ماذا سيقول الناس؟” قبل أن يسألوا: “هل هذا هو الصواب؟”. وأصبح الخوف من كلام الآخرين أقوى من صوت الضمير، وأشد تأثيرًا من القناعة الشخصية، حتى تحول المجتمع في نظر البعض إلى محكمة لا تتوقف عن إصدار الأحكام.

 

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأن الإنسان الذي يعيش أسيرًا لنظرة الناس لن يعرف طعم الحرية أبدًا. فهو لا يختار ما يناسبه، بل ما يرضي الآخرين، ولا يقول ما يؤمن به، بل ما يضمن له التصفيق، ولا يعيش حياته كما يريد، بل كما يريدها من حوله. ومع مرور السنوات يفقد شخصيته شيئًا فشيئًا، حتى يصبح غريبًا عن نفسه، لا يعرف ماذا يريد، ولا لماذا يسير في هذا الطريق.

 

ولعل السبب الأكبر وراء ذلك هو أن ثقافة المقارنة والمظاهر أصبحت تسيطر على المجتمع بصورة غير مسبوقة. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت الإنسان يشعر بأنه تحت المراقبة طوال الوقت، وأن كل خطوة يقوم بها ستخضع لتعليقات الآخرين وأحكامهم، فأصبح البعض يقيس نجاحه بعدد من يصفق له، ويقيس قيمته بعدد من يعجب به، وينسى أن القيمة الحقيقية لا يصنعها إعجاب الناس، بل يصنعها صدق الإنسان مع نفسه.

 

والحقيقة المؤلمة أن رضا الناس غاية لا يمكن الوصول إليها. فمهما فعل الإنسان سيجد من يمدحه، ومن ينتقده، ومن يوافقه، ومن يعارضه. ولذلك فإن من يجعل سعادته مرتبطة بآراء الآخرين سيبقى مضطربًا طوال حياته، لأن آراء الناس تتغير، أما المبادئ الحقيقية فلا تتغير.

 

وليس المقصود أن يتجاهل الإنسان النصيحة أو يرفض النقد البناء، بل المقصود ألا يسمح لنظرات الناس أن تهدم شخصيته أو تمنعه من فعل الخير أو تحقيق حلم مشروع أو اتخاذ قرار صحيح يخدم حياته ومستقبله.

 

إن أعظم خسارة قد يتعرض لها الإنسان ليست أن يخسر منصبًا أو مالًا أو شهرة، وإنما أن يخسر ذاته، وأن يعيش عمره كله ممثلًا لدور كتبه الآخرون، بينما الشخصية الحقيقية التي خلقها الله بداخله لم تحصل على فرصة واحدة لتظهر.

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أن يجعل الإنسان رضى الله والمبادئ الصحيحة فوق رضا الناس.

 

أن يفرق بين النصيحة الصادقة وبين الأحكام التي لا تستند إلى حقائق.

 

أن يتوقف عن مقارنة حياته بحياة الآخرين.

 

أن يثق في قراراته بعد التفكير والاستشارة.

 

أن يتقبل أن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأنه لا يمكن إرضاء الجميع.

 

أن يبني شخصيته على الأخلاق والقيم لا على إعجاب الناس المؤقت.

 

أن يتذكر دائمًا أن احترام الإنسان لنفسه هو بداية احترام الآخرين له.

 

الرؤية الإسلامية

 

قال الله تعالى

 

﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾

 

سورة المائدة الآية 44

 

وقال سبحانه

 

﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ ﴾

 

سورة الطلاق الآية 3

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

« من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس »

 

رواه ابن حبان وصححه الألباني

 

وقال صلى الله عليه وسلم

 

« لا يكن أحدكم إمعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن ظلموا ظلمت، ولكن وطنوا أنفسكم… »

 

رواه الترمذي

 

الرؤية المسيحية

 

جاء في الإنجيل

 

« لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ »

 

إنجيل مرقس 8 : 36

 

وجاء أيضًا

 

« ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس »

 

سفر أعمال الرسل 5 : 29

 

وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى أن يعيش الإنسان متمسكًا بالحق والضمير والقيم، وألا يجعل حياته أسيرة لرضا البشر أو خوفه من آرائهم. فكرامة الإنسان الحقيقية تنبع من صدقه مع نفسه، واستقامته على المبادئ، وثباته على الخير، حتى وإن خالفه الناس أو أساؤوا فهمه.

 

وفي النهاية، سيأتي يوم يدرك فيه كل إنسان أن الذين كان يخشى كلامهم انشغلوا بحياتهم ونسوا تفاصيل حياته، بينما بقي هو وحده يواجه نتائج القرارات التي اتخذها خوفًا منهم. لذلك لا تجعل نظرات الناس تقود مستقبلك، ولا تسمح لكلمات عابرة أن تطفئ نورًا وضعه الله في داخلك. عش بقيمك، وتمسك بمبادئك، وافعل ما تراه حقًا بعد تفكير واستشارة، لأن الإنسان قد يخسر رضا الناس اليوم ثم يكسب احترامهم غدًا، لكنه إذا خسر نفسه فلن يعوضه تصفيق العالم كله.