مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب شفرة الخلق بقلم هاني شاكر

📖 كتاب: شفرة الخلق

✍ تأليف: هانى الميهى

الفصل الرابع عشر – الجزء الرابع

عندما ينطق المعنى الأخير

 

لمّا بلغ الإنسان أعمق نقطةٍ فى ذاته،

لم يعد يبحث عن إجابةٍ تُرضيه،

ولا عن يقينٍ يسكُنُ فيه…

بل صار يبحث عمّا يُعيد إليه انسجامه الأول،

ذلك الانسجام الذى سبقَ الكلمات،

وسبقَ الوجوه،

وسبقَ ارتباك الرحلة فى دهاليز الحياة.

فى ذلك المقام من الوعى،

تتلاشى الضوضاء الداخلية كما يتلاشى الليل عند أطراف الفجر،

وتتقدّم الحقيقة من خلف ستائرٍ طالما ظنّها الإنسان صلبة.

هناك أدرك أن الخوف الذى حمله طويلًا

لم يكن سوى ظلٍّ من صنعه،

وأن الأبواب التى توهّم إغلاقها

لم يكن لها مفاتيح أصلًا؛

فقد كانت تنتظر لحظة الشجاعة لا أكثر.

وحين يهدأ الصراع بين العقل والروح،

ينكشف المعنى الأخير:

أن الخلق ليس حدثًا وقع فى زمنٍ بعيد،

ولا سرًّا يبحث عنه الحكماء فى الكتب،

بل هو حركةٌ دائمةٌ تتجدّد فى كل لحظة،

كلّما اختار الإنسان أن يرى ذاته كما هى،

لا كما صاغتها العادة والخوف والذاكرة المثقلة.

وهكذا يكتشف أن بدايته ليست فى ولادته،

ولا نهايته فى موته،

بل فى الوعى الذى يُعيد تشكيله كلّما لمس جوهره.

فالإنسان لا يُخلق مرة واحدة،

بل يُعاد خلقه بعدد المرات التى يعثر فيها

على نورٍ يبدّد عماه،

أو فكرةٍ تفتح له مسارًا جديدًا،

أو بصيرةٍ تفضّ عنه ركام السنين.

وبهذا الفهم،

يُدرك أنه لم يكن يومًا مسجونًا داخل قدَرٍ ضيق،

بل كان جزءًا من معمارٍ كونىٍّ عظيم،

يكتمل بكلمته كما يكتمل بخطوة نملة،

وكما يكتمل بنبضة نجم.

وهنا، فى ختام الطبقة الأخيرة من الذاكرة،

يفهم أنّ الشفرة التى كان يبحث عنها

لم تكن خارج جسده، ولا خارج روحه،

بل كانت داخله…

تنادى عليه فى كل لحظة

حتى يعبر إليها بقلبٍ واعٍ وعقلٍ مطمئن.

 

#شفرة_الخلق

كتاب: #شفرة_الخلق

الكاتب: هانى_الميهى