مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب أصعب ما كُلّفنابقلم الكاتب هاني الميهي

اسم الكتاب: أصعب ما كُلِّفنا

اسم الكاتب: هانى الميهى

الفصل: السادس

عنوان الفصل: قلق الأيام الطويلة

الجزء: الثانى

 

كان النهار ممتدًا بلا ملامح، كأنه صفحة بيضاء رفضت أن تبوح بأى تفاصيل. التوقيت نفسه بدا متواطئًا، يطيل اللحظة حتى تتحول إلى عبء، ويشد الزمن من طرفه فلا يتقدم خطوة إلى الأمام. شعر أن الأيام لم تعد تُقاس بالساعات، بل تُقاس بمقدار ما يستطيع احتماله دون أن ينكسر. وفى كل مرة يحاول فيها الإمساك بثباته، يتسلل القلق من ثغرة خفية، فيعيد ترتيب مشاعره وفق قانون لا يعرفه.

جلس فى ذلك الركن الذى صار ملاذًا ومرآة معًا؛ ملاذًا لأنه يختبئ فيه من الضجيج، ومرآة لأنه يرى فيه ما يهرب منه. لاحظ أن الأشياء من حوله تُصدر صمتًا ثقيلًا؛ وكأن كل شىء يراقبه بترقّب، منتظرًا اللحظة التى يعترف فيها أن القلق لم يعد عارضًا عابرًا، بل رفيقًا يجلس قبالته كل ليلة، يسأله أسئلة يعرف أنه لن يجد إجابة لها بسهولة.

حاول أن يتذكر متى بدأ كل هذا. لم يجد نقطة محددة ينطلق منها الخيط، وكأنه تشكّل عبر الزمن ببطء يائس، حتى صار كتلة تتدحرج فى صدره. الأيام الطويلة لم تكن مجرد وقت زاد عن الحاجة، بل كانت مساحة تُختبر فيها الروح، وتُكشف فيها هشاشتها، وتتعلم فيها كيف تتحمل ما لم تتخيل يومًا أنها ستواجهه.

كان يعرف أن هناك قرارًا ينتظره. قرار لم يُصَغ بعد بالكلمات، لكنه موجود، يضغط على صدره كحجر ثقيل. لم يكن القرار متعلقًا بشخص أو موقف بعينه؛ بل يتعلق به هو، بقدرته على مواجهة ذاته، بقبوله أن بعض الطرق لن يصنعها غيره، وأن إحدى مسؤولياته التى لم يعد يستطيع الهروب منها هى أن يحدد أخيرًا فى أى اتجاه يريد أن يسير. لقد تعب من الانتظار الذى لا يُثمر، ومن التأجيل الذى يخلق خوفًا أكبر، ومن اختباء ظنه حماية، ثم اكتشف أنه أصعب أنواع السجن.

وبينما كان يراقب الضوء يتسلل إلى الغرفة، أدرك أن الأشياء لم تتغير، إلا هو. هذا الإدراك وحده كان كافيًا ليمنحه بداية جديدة، حتى لو كانت بداية بلا وضوح كامل. فالقلق، مهما طال، لا يمكنه أن يمنع الإنسان من رؤية ما يجب أن يراه، حين يصبح القلب مستعدًا للفهم. ولأول مرة منذ زمن، لم يسأل نفسه: ماذا إن فشلت؟ بل سأل: ماذا إن بقيت مكانى؟

توقف طويلًا عند السؤال الأخير، لأنه كان اعترافًا ضمنيًا بأن البقاء لم يعد خيارًا آمنًا. نهض ببطء، خطوة واحدة لكنها مليئة بالثقل والانتصار معًا. لم يكن متأكدًا إلى أين سيمضى، لكنه كان يعرف السبب الذى يدفعه إلى الحركة: إنه لا يريد أن يفقد نفسه داخل انتظار لا ينتهى. كان مستعدًا لأن يتحمل مشقة الطريق، طالما أنها أبعده عن مستنقع الجمود الذى كاد يبتلعه.

وبين نبضة وأخرى، شعر أن القلق ما زال موجودًا، لكنه لم يعد سيد الموقف. صار مجرد صوتٍ فى الخلفية، بينما هو يتقدم بثبات، يدرك أنه وإن كان الطريق طويلاً فإن الخطوة الأولى وحدها تكفى لفتح أبواب لم يكن يتخيل أنها قابلة للفتح.

الرسالة:

القلب الذى يتجاوز خوف الانتظار، يصبح قادرًا على بناء طريقه مهما طال النهار وثقلت الأيام.

 

#هاني_الميهى

#أصعبماكلفنا