مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب أصعب ما كُلّفنابقلم الكاتب هاني الميهي

اسم الكتاب: أصعب ما كُلّفنا
اسم الكاتب: هاني الميهى
الفصل السادس: قلق الأيام الطويلة
الجزء الأول: اليوم الذي لا ينتهي

كانت الأيام تمرّ عليه كأنها نسخة واحدة مكرّرة،
لا تحمل جديدًا ولا تمنح راحة،
طويلةٌ بما يكفي لتتعب العقل،
وثقيلةٌ بما يكفي لتُنهك الروح.
كان يستيقظ كل صباحٍ وهو يشعر
أن النهار يمتدّ أكثر مما ينبغي،
يكاد يبتلع سنواته في صمتٍ لا يسمعه أحد،
وكأن الزمن نفسه
قرر أن يمشي ببطءٍ مهين
ليختبر أعصابه حتى آخر حدودها.
لم يكن القلق جديدًا عليه،
لكنّه في تلك الفترة
صار يعيش معه كما يعيش مع ظله،
يتبعه أينما ذهب،
يتمدد معه متى جلس،
ويعلّق أثقاله على صدره
حتى عندما يبتسم أمام الناس.
فالقلق الحقيقي
لا يطرق الباب،
ولا يستأذن،
بل يسكن الداخل بهدوء،
ثم يبدأ بإعادة ترتيب كل شيء
حتى يفقد الإنسان إحساسه
ببساطة الحياة.
وكان يشعر أن طول الأيام
ليس في ساعاتها،
بل في ثقلها،
في المسافة بين ما يريد أن يحدث
وما يحدث بالفعل،
في ذلك الانتظار الذي لا نهاية له،
وكأن القدر يختبر صبره
على طريقٍ لا يملك فيه
إلا أن يمشي
ولو سحبًا على جراحه.
وفي وسط هذا الامتداد المرهِق،
كان يدرك أن داخله يتغيّر،
ليس تغيّرًا لطيفًا،
بل تغيّرٌ يشبه حفرًا صامتًا
يعمل في عمق الروح،
يحاول أن يصنع منها شكلًا جديدًا،
شكلًا قادرًا على تحمّل ما لم يكن يتحمله من قبل،
كأن الله يهيئه لشيء لا يُكشف الآن،
لكن أثره يُلمَس قبل أن يُرى.
كان يجلس أحيانًا في آخر النهار
وينظر حوله،
يرى الناس يمشون بخفة،
ويتساءل:
هل الأيام تثقل على قلبه وحده؟
أم أن الجميع يخفون قلقهم
كما يخفي هو قلقه؟
فالحقيقة التي تعلّمها متأخرًا
هي أن كل إنسان يحمل معركة لا تُرى،
وأن أطول الأيام
هي تلك التي لا تنتهي في الداخل،
حتى لو انتهت على الساعة.
ومع ذلك…
كان يشعر بشيء صغير
يشبه علامة خفية،
دفقة نور لا تُرى
تأتيه في منتصف العناء،
لا تنقذه،
ولا تغيّر الواقع،
لكنها تقول له:
“لست وحدك…
حتى إن طال النهار.”
وهكذا،
ظلّ يواجه قلق الأيام الطويلة
بخطوات بطيئة،
وجفن متعب،
وقلب يحاول ألّا يخذله.
ولأول مرة
بدأ يدرك أن طول الأيام
ليس عدوًا،
بل معلّمًا صبورًا،
يُعيد تشكيل قدرته على الاحتمال
مع كل دقيقة تمر.
أصعب ما كُلّفنا
#هانيالميهى
#أصعب
ما_كلفنا