مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قبل النجاح صعاب وبعده يُسر

كتب المهيري بنعيسى:
الحياة يا صديقي وجهان لا ثالث لهما وجه قبل النجاح ووجه بعده قبل النجاح أنت وحدك تحمل أثقال الدنيا لا مؤنس ولا معين ولا مصدق بحلمك يسخر منك القريب والبعيد ويقولون فيك ما يقولون ويضحكون من طموحك كأنه هزل لا يليق بعاقل أما بعد النجاح فتنقلب الآية وتصير الدنيا بين يديك ويصبح الناس من حولك خدماً لأمرك يتبارون في خدمتك ويسعون في رضاك هذا هو قانون الحياة الثابت إما أن تتعب اليوم لترتاح غداً وإما أن تختار الألم طول أيامك فاختر لنفسك ما تشاء واكتب روايتك كما تراها

تأمل معي لاعب كرة القدم قبل أن يصير نجماً يخطف الأضواء كان طفلاً صغيراً يلعب في الزقاق حافي القدمين يركض وراء الكرة وكأنها كنز الدنيا كان يسمع كلمات تجرح قلبه أنت لا شيء ولن تكون شيئاً العالم ليس حكراً على أمثالك كان ينام على فراش واهن ويأكل قوت يومه بالكاد ويحلم بحذاء رياضي واحد يليق بحلمه كان الناس يسخرون منه كلما قال سأصبح لاعباً كبيراً كان ينزل الملعب تحت المطر يعرج ركبتيه ويجرح قدميه يفشل في الاختبارات ويبكي في ظلام الليل وحيداً لا يراه أحد لكن شيئاً واحداً كان يملكه لا يملكه غيره إصرار لا ينكسر وعزيمة لا تلين كل يوم كان يقوم من كبوته ويضرب الكرة مرة أخرى ويحلم حلمه ذاته ثم جاء اليوم الذي لمع فيه اسمه وانفتحت له الأبواب وصار حديث الناس في كل مكان واليوم انظر إليه تجده محاطاً بطاقم متكامل طبيب خاص يعتني بصحته ومدرب لياقة يتابع نظامه الغذائي ومحلل نفسي يرافقه في كل خطوة وطاهٍ يعد طعامه المفضل وسائق خاص يوصل له ومدير أعمال يدير كل أموره بل ومستشار إعلامي يحمي صورته هو فقط يأمر فينفذ ويلعب فيستمتع وتصفق له الجماهير وتتنافس الفرق على شرائه صار في قمة الراحة لكنه لم ينسَ تلك الليالي التي كان فيها وحيداً ولم تبرح ذاكرته تلك الكلمات الجارحة التي سمعها ولم ينسَ أنه كان يبكي ولا أحد يسمع صوته

وانظر إلى صاحب الشركة قبل أن يغدو رجلاً ذا شأن كان شاباً طموحاً لا يملك من المال شيئاً يسهر الليالي على فكرة خاطرة في رأسه يكتب خطته على ورق ممزق لأنه لا يملك حاسوباً كان يطرق أبواب البنوك فيُغلقها الناس في وجهه ويبحث عن شريك فيُقابل بالسخرية ويعرض فكرته فيُتَّهم بالجنون كان يدفع إيجار مكتبه بصعوبة ويأكل من بقايا أمسه ويسمع أسوأ ما يمكن أن يسمعه إنسان أنت لا تملك لا مالاً ولا علاقات ولا واسطة فكيف تطمح إلى شركة الشركات ليست للصغار عد إلى منزلك واسترح كان يفشل مراراً ويخسر المال والوقت والأصدقاء وتخونه ثقته بنفسه أحياناً لكنه كان يقوم من كل سقطة أقوى مما كان ويصبر على الجوع والتعب والعزلة ثم جاء يوم النجاح وكبرت شركته ودخلت السوق بقوة والآن تجده محاطاً بمدير عام يدير كل شيء وقسم للموارد البشرية يوظف له الأنسب ومحاسبون أمينون يديرون أمواله ومستشارون قانونيون يحمونه من كل مكروه وسكرتيرات ينظمن وقته هو فقط يرسم الرؤية ويصدر الأوامر ويتخذ القرارات الكبرى ويجلس في مكتبه الفاخر يحتسي قهوته ويحلم بأبعد من ذلك الناس تطرق بابه طلباً للقائه ووسائل الإعلام تبحث عنه والجميع يريد أن يصير صديقاً له صار في قمة السهولة لكن قلبه لم ينسَ تلك اللحظة التي كان فيها وحيداً وتلك الليلة التي سمع فيها كلمة لا مئة مرة ولم ينس أن أحداً لم يصدق فيه إلا هو

وتأمل الطبيب قبل أن يصل إلى ما وصل إليه كان طالباً مجتهداً في كلية الطب يحفظ الكتب ليلاً ونهاراً ينام ساعات معدودة ويشعر بالإرهاق يلازمه كظله كان يسمع كلمات تثبط همته أنت لا تملك المال الكافي لإكمال دراستك الطب صعب وطويل ستكبر قبل أن تتخرج ابحث عن حرفة أخف من هذه كان يفشل في بعض الامتحانات ويعيد سنوات ويشعر بأنه ربما لا يصل أبداً كان يبكي في زوايا المستشفى بعيداً عن الأعين ويدفع مصاريف الدراسة من جيبه المحتاج وكان كل حلمه هو سماع كلمة دكتور من مريض يعالج على يديه ثم جاء اليوم الموعود وتخرج الطبيب وصار طبيباً والآن انظر إليه الناس يحترمونه والمرضى يثقون به والمجتمع يقدره عنده عيادة فخمة ومساعدون متخصصون وممرضات ماهرات وإداريون ينظمون مواعيده هو فقط يشخص ويعالج ويقرر الدواء المناسب ويأمر فينفذ عنده وقت للراحة ودخل وافر وسمعة حسنة كل من عرفه سابقاً يفتخر به اليوم لكنه لم ينس سنوات التعب ولم تبرح ذاكرته الليالي البيضاء التي قضاها في الدرس ولم ينس أنه كان وحيداً يقاتل من أجل حلمه

وانظر إلى المحامي قبل النجاح كان شاباً يدرس القانون بألم ويتردد على المحاكم الصغيرة بحثاً عن أي قضية يتدرب فيها كان يسمع كلمات تؤلمه أنت لا تملك خبرة ولا واسطة المحاماة مهنة السادة لا صغار الناس ابحث عن عمل غيره كان يفشل في أولى قضاياه ويخسرها خسارة موجعة ويشعر بالإحباط كل يوم كان يرى زملاءه يسبقونه ويُتهم بأنه غير كفء وكان يبكي في الليل وحده لكن إصراره كان أقوى من كل ذلك كان يحضر كل جلسة ويقرأ كل ملف ويتعلم من كل خطأ ثم جاء اليوم وكسب أول قضية كبيرة ثم الثانية والثالثة وصار اسمه معروفاً واليوم تجده في مكتب فخم ومعه فريق من المحامين المبتدئين يعملون تحت إشرافه وسكرتيرات ينظمن مواعيده وباحثون قانونيون يجهزون ملفاته ومحاسبون يديرون أمواله هو فقط يحضر الجلسات المهمة ويتخذ القرارات الحاسمة ويوقع الأوراق الكبرى ويأمر فينفذ الزبائن ينتظرون دوره والقضاة يحترمونه والخصوم يخافونه والمجتمع يقدسه لكنه لم ينس أنه كان وحيداً ولم ينس أنه كان يبكي ولا أحد يسمعه ولم ينس أنه كان يفشل ويكافح

تلك هي سنة الحياة ذلك هو ميزانها العادل قبل النجاح كل التعب عليك وحدك وبعده يكون التعب على غيرك قبل النجاح أنت من يطارد الحلم وبعده الحلم هو من يطاردك قبل النجاح لا أحد يرى دموعك وبعده الجميع يرى ابتسامتك قبل النجاح الناس يشكون في قدراتك وبعده يفتخرون بك قبل النجاح تقول أنا أستطيع فلا يسمعك أحد وبعده تقول لا أستطيع فلا يصدقك أحد قبل النجاح تسأل نفسك هل سأصل وبعده يسألك الناس كيف وصلت

لذلك ليس أمامك إلا خياران إما أن تتعب اليوم وترتاح غداً وإما أن تختار الألم مدى الحياة وتندم على ما فاتك إما أن تصهر الليالي وتفشل وتقوم وتسمع أسوأ الكلام وتتحداه وتكون وحيداً حتى يعوضك الله وإما أن تعيش هادئاً مستقراً لكنك ممتلئ بالحسرة لأنك لم تخض المعركة قط الحياة ليست لأصحاب القلوب الضعيفة بل هي لأصحاب العزيمة الفولاذية لأولئك الذين يقاتلون في العتمة حتى يروا النور لأولئك الذين يسمعون لا فيجعلونها وقوداً لهم لأولئك الذين يفشلون مراراً ويقومون مراراً لأن النجاح الحقيقي ليس في الوصول فحسب بل في الرحلة ذاتها في أن تتحدى كل الصعاب وتثبت للجميع أنك كنت على حق

فإن كنت الآن في بداية الطريق تسمع كلمات جارحة وتشعر بالوحدة وتتعب ولا ترى نتيجة وتفشل وتنهض وتبكي ولا أحد يسمعك فلا تيأس تلك هي علامات النجاح القادم تلك هي مرحلة التأسيس تلك هي الليالي التي ستحكي عنها لأبنائك تلك هي اللحظات التي تصنع قوتك استمر ولا تستسلم فكل نجم كان يوماً غباراً وكل شجرة كانت بذرة في التراب وكل إنسان ناجح كان يوماً في موقفك تماماً الفرق الوحيد بينك وبينهم أنهم استمروا وستستمر أنت أيضاً القلم بيدك وأنت من تكتب روايتك فاجعلها رواية بطولية لا قصة حزينة اختر التعب اليوم واختر الكفاح اليوم واختر الألم اليوم لأن غداً سيكون راحة وغداً سيكون نجاحاً وغداً سيكون كل شيء سهلاً وغداً سيكون كل من حولك أما اليوم فأنت وحدك وأنت كافٍ